عبد
هل العبادة
حركات وحرمان وزيارات؟!
القرآن يفضح
الحقيقة المحجوبة منذ 14 قرنًا
رابط موضوع الدعاء
على موقعكم ترتيل القرآن
https://tartilalquran.com/ara/posts/view/daaa-allh-ajyb-daao/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87---%D8%A3%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9
رابط موضوع العبادة
على موقعكم ترتيل القرآن
https://tartilalquran.com/ara/posts/view/3abad-3ibada/%D8%B9%D8%A8%D9%8E%D8%AF---
%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A9
قال أبو بكر بعد وفاة الرسول
عليه السلام:
من كان يعبد محمّدا
فإنّ محمّد قد مات
و من كان يعبد الله
فإنّ الله حيّ لا يموت.
لكن
كيف نعبد الله أصلًا؟
هل بواسطة حركات وشعائر مظهرية
نؤديها في أوقات و أماكن محددة ؟
أم
أن لفعل «عبد» في القرآن
معنى أعمق بكثير مما ورثناه؟
هذا ما سنحاول تدبّره معًا
في حلقة اليوم.
معكم بنفضيل فيصل
برنامجكم ترتيل القرآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا وسهلًا بكل قلبٍ يبحث عن الاقتراب الحقيقة
وبكل عقلٍ
لم يفقد شجاعته في السؤال.
ويبقى ما سأقدّمه في هذه الحلقة
اجتهادًا بشريًا يصيب ويخطئ
فلا تأخذوا كلامي على أنه حقيقة مطلقة
بل راجعوا المعلومات
وقارنوا بين الأفكار
لتكونوا من أولي الألباب.
لنبدأ بسورة المؤمنون:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ
بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا
وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ!!!! (47)
(سورة : 23 - سورة المؤمنون, اية : 45 - 47)
لاحظوا قول فرعون وملئه:
وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ.
فهل كان قومهما يصلّون لفرعون
أو يصومون من أجله
أو يؤدّون له شعائر دينية؟
طبعًا لا.
لقد كانوا منخرطين في نظام فرعون
ملتزمين بأوامره
ومسخَّرين لخدمة مشروعه.
العبادة في حقيقة الأمر
ليست محصورة
في الشعائر المظهرية
كما قيل لنا طيلة 14 قرن
وقبل أن نكمل
أدعوكم إلى تشجيع هذا المجهود
بالضغط على زر الإعجاب
والاشتراك في القناة
ولا تبخلوا عليّ بأفكاركم
وملاحظاتكم في التعليقات.
والآن
لنواصل تدبّرنا.
قال يوسف عليه السلام
لصاحبيه في السجن
في سورة يوسف:
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ
أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ (39)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ
إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
(سورة : 12 - سورة يوسف, اية : 39 - 40)
يقول يوسف:
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا.
فكيف يمكن أن تُعبد الأسماء؟
هل تُعبد بحركات جسدية؟
أم حين ينخرط الإنسان
في منظومة من الأفكار الموروثة
ويمنحها سلطة على عقله وقراراته
ويلتزم بأحكام نُسبت إليها
منذ 14 قرن
من غير سلطان من الله؟
وقال تعالى سورة يس:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ
أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
(سورة : 36 - سورة يس, اية : 60)
هل يعبد الناس الشيطان بالصلاة له
أو بالصيام من أجله؟
أم يعبدونه
حين ينخرطون في طريقه
ويتبعون وساوسه
ويطيعون توجيهاته
ويجعلونه مرجعًا لسلوكهم؟
ثم قال تعالى عن نوح
في سورة المؤمنون:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ
فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أَفَلَا تَتَّقُونَ
(سورة : 23 - سورة المؤمنون, اية : 23)
كانت دعوة نوح واضحة:
اعْبُدُوا اللَّهَ.
لا نجد في الآية
حركات ولا تفاصيل مظهرية
ولكن نجد التقوى.
أَفَلَا تَتَّقُونَ
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل العبادة هي ذلك الحمل الهائل
من التفاصيل التي ورثناها
من حركات و حرمان و سفر
وملابس وأدعية
وقواعد شكلية
ثم جعلناها جوهر الدين
واختلفنا وتقاتلنا من أجلها؟
أم أن العبادة في القرآن
أعمق من ذلك بكثير؟
هذا ما سنحاول اكتشافه
من خلال الآيات.
لاحظوا معي الآن
دقة القرآن
يقول تعالى في سورة طه:
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدْنِي
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي
(سورة : 20 - سورة طه, اية : 14)
لاحظوا:
قال أولًا: فاعبدني
ثم قال: وأقم الصلاة لذكري.
فلو كانت العبادة
هي الصلاة نفسها
فلماذا ذكرها بصورة مستقلة؟
وقال تعالى في سورة البينة:
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
حُنَفَاءَ
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
(سورة : 98 - سورة البينة, اية : 5)
مرة أخرى نجد:
عبادة الله
ثم
إقامة الصلاة، ثم إيتاء الزكاة.
وقال تعالى في سورة النجم:
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)
(سورة : 53 - سورة النجم, اية : 59 - 62)
فلو كان السجود هو العبادة نفسها
فلماذا قال:
اسجدوا ثم اعبدوا؟
إن هذه الملاحظة
تدعونا إلى البحث عن الفرق بينهما
بدل جمعهما في معنى واحد.
وقال تعالى في سورة الحج:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
1- ارْكَعُوا
2- وَاسْجُدُوا
3- وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
4- وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(سورة : 22 - سورة الحج, اية : 77)
لقد ميّز الله في آية واحدة بين:
الركوع، والسجود
وعبادة الله
وفعل الخير.
ثم نصل إلى آية تستحق
أن نتوقف عندها طويلًا:
وَالَّذِينَ آمَنُوا
الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَهُمْ رَاكِعُونَ
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 55)
إذا كان الركوع عبادةً حركية
تتمثل في انحناء الجسد أثناء الصلاة
فكيف يمكنهم إيتاء الزكاة
وهم في تلك الوضعية؟
لنواصل ملاحظاتنا القرآنية.
يقول تعالى في سورة البقرة:
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 110)
لاحظوا أن الله
ربط إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
بالعمل
فقال:
إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
و ليس
إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْبدون بَصِيرٌ
لم يُسمّ الصلاة ولا الزكاة عبادة
و لم يربطهما بالعبادة.
لنمرّ الآن إلى ترتيل الآيات
التي ورد فيها فعل «عبد»
ونترك القرآن يشرح بعضهُ بعضًا.
يقول الله تعالى
في سورة آل عمران:
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 51)
وفي سورة مريم:
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
(سورة : 19 - سورة مريم, اية : 36)
وفي سورة الزخرف:
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
(سورة : 43 - سورة الزخرف, اية : 64)
ويقول في سورة يس:
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
(سورة : 36 - سورة يس, اية : 61)
بالمقابل يقول في سورة الزخرف:
وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
(سورة : 43 - سورة الزخرف, اية : 61)
وفي سورة الأنعام
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
(سورة : 6 - سورة الأنعام, اية : 153)
لاحظوا هذا التطابق المدهش:
اعبدوني... هذا صراط مستقيم.
وفي المقابل:
اتبعون... هذا صراط مستقيم.
ثم لدينا
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (3 مرّات)
مقابل
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
نفهم من ترتيل هذه الآيات
أن عبادة الله
تعني اتباع صراطه المستقيم.
هذا الإكتشاف محسوب للباحث Reda Iraqi
مرة أخرى نجد العبادة
مرتبطة بالاتباع
في سورة المائدة.
قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 76 - 77)
تأملوا معي
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؟
ثم يقول مباشرة:
وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ
يتضح جليا من تدبّر الآيتين أنّ
العبادة هي
إتباع تشريعات
إلاه كيفما كان نوعه
ولهذا قال نوح لقومه
في سورة المؤمنون:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ
فَقَالَ يَا قَوْمِ
اعْبُدُوا اللَّهَ
مَا لَكُمْ
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أَفَلَا تَتَّقُونَ
(سورة : 23 - سورة المؤمنون, اية : 23)
أي اتبعوا الله وحده
وانخرطوا في منهجه
ولا تمنحوا هذه السلطة لإله آخر.
من يريد التعمّق أكثر
سيجد رابط الموضوع كاملا
في صندوق الوصف
ثم تأتي آية
تكشف خطورة عبادة الأنبياء من دون الله
باتباع تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان
سورة آل عمران:
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ
كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا
الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ (80)
(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 79 - 80)
لا يحق لأي بشر
حتى لو كان نبيًّا
أن يقول للناس:
اتبعوا تشريعاتي الشخصية
وانخرطوا في منهجي بدل منهج الله.
بل يقول لهم:
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
أي عودوا إلى الكتاب
وتعلّموا منه
واجعلوا مواعظ الله مرجعكم.
ثم يؤكد:
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا
الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟
الله لا يأمرنا
باتباع ما قيل باسم الانبياء
لكيلا نحولهم إلى أرباب
مشرّعين من دونه.
و إلا فسيكون ذلك كفرا بعد الاسلام.
من خلال ترتيل الآيات
نكتشف معنى مختلف
عما وجدنا عليه آباءنا:
عبادة الله هي
اتباع صراطه المستقيم
و الانخراط في منهجه
والالتزام بمواعظه.
أما عبادة غيره
فهي منح
بشر أو طاغية أو مؤسسة أو فكرة
سلطةً
تنافس سلطة الله
في توجيه حياتنا.
لنمرّ الآن إلى ترتيل آخرَ للآيات
يكشف لنا العلاقة الوثيقة بين العبادة والدعاء.
يقول الله تعالى
في سورة البينة:
يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (98-5)
وفي آيات أخرى نجد التعبير نفسه تقريبًا:
1- دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (10-22) يونس
2- دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (29-65) العنكبوت
3- دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (31-32) لقمان
4- فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (40-14) غافر
5- فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (40-65) غافر
6- وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (7-29) الأعراف
وهذا يدل على أن الدعاء
ليس منفصلًا عن العبادة
بل هو أحد تعبيراتها الأساسية.
وقد رأينا في حلقة سابقة
أن الدعاء ليس مجرد
كلمات وتمتمات نردّدها
بل هو قولٌ يصدّقه العمل
ويواكبه.
ستجدون في صندوق الوصف
رابط موضوع الدعاء
على موقعكم ترتيل القرآن.
تأملوا اللحظة
هذه الآيات عن إبراهيم عليه السلام
في سورة مريم :
وَأَعْتَزِلُكُمْ
وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)
(سورة : 19 - سورة مريم, اية : 48 - 49)
تأملوا معي:
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
ثم يقول بعدها مباشرة:
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مرة أخرى
يربط القرآن بين الدعاء والعبادة.
ثم
يقول الله تعالى
في سورة غافر:
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
(سورة : 40 - سورة غافر, اية : 60)
بدأت الآية بقوله:
ادعوني.
ثم وصفت رفض هذا الدعاء
بأنه استكبار عن العبادة:
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي.
إذن دعاء الله
مرتبط ارتباطا وثيقا
بعبادته.
فالاستكبار عن عبادته
يعني رفض الانخراط في منهجه
والإعراض عن مواعظه
والاعتماد بدلًا منها على منظومات بشرية
قد تقود الإنسان إلى الظلم والضياع.
ثم تأملوا قصة أيوب عليه السلام
في سورة الأنبياء:
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ
وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى
لِلْعَابِدِينَ (84)
(سورة : 21 - سورة الأنبياء, اية : 83 - 84)
أيوب نادى ربّه
فاستجاب الله له
ثم جعل قصته ذكرى للعابدين.
فالعابد هو الذي يتوجّه إلى الله
ويعتمد عليه
وينخرط في منهجه
ويجعل مواعظه مرجعًا له.
ومن هنا نفهم أن الدعاء
أحد الوجوه الأساسية لعبادة الله.
لنمرّ الآن إلى ترتيل آخر
يكشف العلاقة بين العبادة والشكر.
يقول الله تعالى
في سورة البقرة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 172)
لاحظوا الربط الواضح:
إن كنتم تعبدون الله حقًّا
فكلوا من طيبات ما رزقكم
بمعنى استمتعوا بنعمه
واشكروه عليها
بمعنى كونوا ممتنين
و ليس قولوا شكرا.
أدعوكم لمشاهدة
حلقة المعنى الحقيقي
لفعل أكل و شرب
بعيدا عما وجدنا عليه آباءنا من موروث.
ويقول تعالى في سورة النحل:
2-
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 114)
مرة أخرى
يربط القرآن عبادة الله
بالاستمتاع برزقه الحلال الطيب
والامتنان لنعمه.
فعبادة الله لا تعني حرمان النفس من نعمه
(وتكبيلها بالأغلال)
بل تعني أن تنتفع بما رزقك
ثم تعترف بفضله
وتشكره.
إذن الشكر بمعنى الامتنان
ليس مجرد كلمة نقولها
بل هو أحد تجليات العبادة في الحياة.
لنمرّ الآن إلى ترتيل آخر
يكشف العلاقة بين العبادة والسجود.
يقول الله تعالى:
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)
(سورة : 41 - سورة فصلت, اية : 37)
لاحظوا الربط الواضح:
إن كنتم تعبدون الله حقًّا
فلا تعترفوا بالسلطة العليا
للشمس أو القمر
بل اسجدوا لله الذي خلقهما.
إذن عبادة الله تظهر في السجود له
و السجود كما راينا في الحلقة السابقة
ليس مجرد حركة بالجسد
بل اعتراف بالحقّ لله
واستجابة لمرجعيته
والتزام بما أنزله من مواعظ وتشريعات.
لقد وصلنا إلى نهاية الجزء الأوّل
من تدبّرنا لفعل عبد
بعد كل هذا الترتيل
ماذا وجدنا؟
لم نجد أن العبادة هي
الصلاة، ولا الزكاة، ولا الصيام، ولا الحج.
بل وجدناها مرتبطة
بالاتباع، والدعاء، والشكر، والسجود لله.
فهل عاينتم بأنفسكم روعة ترتيل القرآن؟
آيات متفرقة
حين نجمعها ونقارن بينها
يكشف بعضها معنى بعض
ويظهر أمامنا حجم الخلط الذي وقع
بين العبادة
والشعائر المظهرية.
فالعبادة ليست حركة نؤديها
في وقت أو مكان محدد
بل انخراطٌ في منهج الله
يظهر أثره في أقوالنا وأعمالنا وحياتنا كلها.
أتمنى أن تكون هذه الحلقة
قد نالت اعجابكم
شجعوا المجهود الذي اقوم به
اضغظوا على
لايك
شاركوا لتعم الفائدة
دمتم في رعاية الله
وإلى اللقاء
في الأسبوع المقبل
بإذن الله.
كان معكم بنفضيل فيصل
برنامجكم ترتيل القرآن
هل الله نرجسي؟
حقيقة آية
و ما خلقت الجن و الانس
إلا ليعبدون
رابط موضوع الدعاء
على موقعكم ترتيل القرآن
https://tartilalquran.com/ara/posts/view/daaa-allh-ajyb-daao/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87---
%D8%A3%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9
حلقة الصلاة
https://www.youtube.com/watch?v=SOHvQcHihjs&t=69s
حلقة الزكاة
https://www.youtube.com/watch?v=cja35rAsyhI
حلقة إقامة الصلاة
https://www.youtube.com/watch?v=rjmbUA-inpg&t=208s
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
لماذا يريد الله
أن نعبده؟
وما الذي تضيفه عبادتنا إليه؟
هل خلقنا حبا في السلطة
أم خلقنا لنخدمه
أم خلقنا لغاية أخرى ؟
ولماذا تحوّلت
بعض الشعائر المظهرية
إلى مقدسات
و بعض الممارسات إلى أوامر
لا يُسمح حتى بالسؤال عن معناها
و أصلها؟
في هذا الجزء
سنعيد فتح ملف العبادة من جديد
لا لنهدمها
بل لنفهم ما الذي يريده الله من الإنسان:
هل يريد
حركاتٍ مفروضة
في وقت و مكان و اتجاه معين
أم وعيًا
يغيّر القلب والعقل والسلوك؟
معكم
بنفضيل فيصل
برنامجكم
ترتيل القرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا وسهلًا
بكل قلبٍ يبحث عن الحقيقة
وبكل عقلٍ لم يفقد
شجاعته في السؤال.
قبل أن نبدأ
لا تنسوا دعم الحلقة
بالضغط على زر الإعجاب
وشاركونا آراءكم وتدبّراتكم في التعليقات
فربما تفتح ملاحظة من أحدكم
بابًا جديدًا للفهم.
لنبدأ اليوم بسؤال بسيط:
ما الصفات التي يربطها القرآن
بالعابد الحقيقي لله؟
أولًا: العابد الحقيقي يكون صالحًا
قال تعالى
في سورة الأنبياء:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا
لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)
(سورة : 21 - سورة الأنبياء, اية : 105 - 106)
لاحظوا أن الله لم يصف عباده هنا
بكثرة الحركات والشعائر
بل وصفهم بالصلاح.
فالذين يرثون الأرض
هم عباد الله الصالحون
أي الذين يعملون لما فيه خير الإنسان والمجتمع
ويقيمون العدل
ويحفظون الحقوق
ويلتزمون بالقيم التي جاءت بها الكتب المنزلة.
ثم يقول الله
في سورة البينة:
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
حُنَفَاءَ
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
(سورة : 98 - سورة البينة, اية : 5)
فالعابد لله يكون
مخلصًا له الدين
حنيفًا
مائلًا عن الباطل
ومتجهًا نحو الحق.
ثم تذكر الآية إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
منفصلتين عن العبادة
وهذا يدعونا إلى التمييز بينها.
تعني تفعيل الصلة التي تربطنا بالله (الصلاة)
من خلال القرآن
وإيتاء الزكاة يعني تحقيق التطور والنماء
في النفس والمجتمع.
ومنه نستنتج
أن العبادة تكب في مصلحة العبد
لا الخالق
ولمن يريد التوسع أكثر
في معنى
أدعوكم أعزائي المشاهدين إلى مشاهدة حلقات:
حقيقة الصلاة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة
التي قدّمتها خلال العام الماضي.
ستجدون روابط الحلقات في صندوق الوصف.
لنمر اللحظة للهدف الأسمى من العبادة
يقول تعالى في سورة البقرة:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 21)
تأملوا جيدًا:
الله لم يجعل العبادة غايةً نهائية في ذاتها
بل جعلها طريقًا
يقود إلى غاية أسمى
هي التقوى.
فقال:
اعْبُدُوا رَبَّكُمْ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
أي انخرطوا في منهج ربكم
والتزموا بمواعظه وقيمه
لعلّ هذا الانخراط يصنع منكم أناسًا
متقين
محتمين بالله.
إذن العبادة ليست هدفًا يخدم الله
فالله غنيّ عن العالمين
وإنما هي طريق يخدم الإنسان
ويهذّب سلوكه
ويقوده إلى التقوى
إلى الحماية الالاهية.
ومنه نستنتج
أن العبادة تكب
في مصلحة العبد لا الخالق
لنمر اللحظة للآيات
التي تعظنا بعبادة الله وحده
و لا نشرك به أحدا أو شيئا.
و لنبدأ بهذه الآية التي
يستغلّها بعض الملحدين
ليؤكّدوا إن الله نرجسيّ أو أنانيّ
خلق الناس
ليؤدّوا له طقوسًا مظهرية
في أوقاتٍ معيّنة
وأماكن معيّنة
يحتاج إليها
أو ينتظرها منهم.
سورة الذاريات, اية : 56
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)
(سورة : 51 - سورة الذاريات, اية : 56 )
لكن الآيات التي تليها مباشرة
ترفض هذا التصوّر:
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ
وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
(سورة : 51 - سورة الذاريات, اية : 57 - 58)
فالله لا يحتاج من خلقه إلى رزق
ولا إلى طعام
ولا إلى خدمة مادية أو معنوية.
و بالتالي فإن المعنى الأقرب للمنطق
للعبارة القرآنية
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
هو كالتالي:
لم يخلق الله الإنسان
إلا ليتبع
المنهج الإلاهي الذي يهديه
ويُصلح نفسه
ويرتقي بسلوكه
ويقيم حياة أكثر عدلًا ورحمة.
فالغاية من هذه العبادة
لا تعود بالنفع على الله
بل على الإنسان نفسه.
ولو خلق الله البشر
لعبادةِِ
تلبي حاجةً معنوية عنده
لكان ذلك تناقضا صارخا
مع غناه عن العالمين.
والقرآن نفسه يؤكد أنه
إن يشأ
يذهب بالناس ويأتِ بخلق جديد.
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ
كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ
(سورة : 6 - سورة الأنعام, اية : 133)
وعليه
فالعبادة
ليست لإشباع حاجة عند الله
بل لهداية الإنسان وإصلاحه والارتقاء به.
إذن الإنسان هو المحتاج إلى العبادة
لا الله.
لنمرّ الآن إلى باقي الآيات
التي تعظ العباد
بعبادة الله وحده.
والآيات في هذا الباب كثيرة
لذلك سأكتفي ببعض النماذج
لأن رسالتها تتكرر بوضوح:
يقول تعالى
في سورة النجم:
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)
(سورة : 53 - سورة النجم, اية : 59 - 62)
و يقول في سورة العنكبوت:
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
(سورة : 29 - سورة العنكبوت, اية : 56)
الرسالة واحدة
للعباد لا العبيد:
اجعلوا منهج الله وحده مرجعكم
ولا تمنحوا هذه السلطة لغيره.
و في سورة الحج:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
1- ارْكَعُوا
2- وَاسْجُدُوا
3- وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
4- وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(سورة : 22 - سورة الحج, اية : 77)
وهنا نجد العبادة مذكورة
بصورة منفصلة عن
الركوع والسجود وفعل الخير
مما يؤكد أن العبادة
ليست اسمًا لهذه الأعمال نفسها
بل هي الانخراط في منهج الله
والالتزام بمواعظه.
ويقول سبحانه
في سورة الإسراء:
5-
وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
(سورة : 17 - سورة الإسراء, اية : 23)
فعبادة الله لا تنفصل عن الإحسان
بل تظهر آثارها مباشرة في السلوك والعلاقات.
كما تتكرر الدعوة نفسها
على ألسنة الرسل:
سورة الأنبياء:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدُونِ
(سورة : 21 - سورة الأنبياء, اية : 25)
ولهذا يقول
في سورة يس:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ
أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)
وَأَنِ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
(سورة : 36 - سورة يس, اية : 60 - 61)
فنحن لا نعبد الشيطان بطقوس
بل باتباع وساوسه ومنهجه.
وبالمقابل
نعبد الله باتباع صراطه المستقيم.
أما هذه الآيات
فتدعونا لعبادة الله بدون شريك
سورة النساء:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
(سورة : 4 - سورة النساء, اية : 36)
سورة النور:
يَعْبُدُونَنِي
لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
(سورة : 24 - سورة النور, اية : 55)
فالعبادة يجب أن تكون لله وحده
بإخلاص
دون أن نشرك معه
أحبارًا أو رهبانًا أو مشرّعين من البشر
فنمنحهم حق التحليل والتحريم من دون الله.
ولهذا قال عن بعض أهل الكتاب:
13-
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
(سورة : 9 - سورة التوبة, اية : 31)
كما لخّص الله مضمون رسالاته
بقوله:
14-
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 36)
أي اتبعوا منهج الله
وابتعدوا عن مناهج الطغيان والظلم والاستبداد.
إذن جميع هذه الآيات
تحمل الفكرة نفسها:
اعبدوا الله وحده
أي اجعلوا مواعظه وتشريعاته مرجعًا لكم
ولا تشركوا معه الشيطان أو الطاغوت أو رجال الدين
أو أي سلطة بشرية تزاحم الله في دينه.
وهذه كلها مواعظ
تصبّ في مصلحة الإنسان
فتحرره من الخضوع للبشر
وتهديه إلى الصراط المستقيم.
لننتقل الآن إلى زاوية أخرى من الموضوع:
الله لا يأمر الناس فقط بعبادته
بل يأمر رسله أيضًا بذلك.
قال تعالى في سورة الأنبياء:
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ
(سورة : 21 - سورة الأنبياء, اية : 92)
وقبل هذه الآية
من الآية 48 إلى الآية 91
تحدّث القرآن عن عدد من الرسل
وذكرهم بوصفهم نماذج متتابعة
في مسار واحد.
ثم جاءت هذه الآية
لتجمعهم في أمة واحدة
وتوجّه إليهم الموعظة نفسها:
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ.
أي انخرطوا في منهجي
واجعلوا مواعظي وتشريعاتي مرجعًا لكم.
ويزداد المعنى وضوحًا
في خطاب الله
لموسى عليه السلام
سورة طه:
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدْنِي
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي
(سورة : 20 - سورة طه, اية : 13-14)
هنا يأمر الله موسى بعبادته
ثم يفصل بين العبادة
وإقامة الصلاة.
ولا تتوقف الدعوة إلى عبادة الله
عند رسول بعينه.
بل حين نتتبّع قصص الرسل
نجد أن الرسالة نفسها تتكرر على ألسنتهم جميعًا:
اعبدوا الله وحده
ولا تجعلوا معه شريكًا.
فالرسول محمد عليه السلام
أعلنها بوضوح
في سورة الكافرون:
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)
وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4)
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
(سورة : 109 - سورة الكافرون, اية : 1 - 6)
وقال في سورة يونس:
فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 104)
كما نهى عن إشراك
أي أحد بعبادة الله
سورة الكهف:
فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
(سورة : 18 - سورة الكهف, اية : 110)
والرسول عيسى عليه السلام
قال لقومه سورة المائدة:
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 117)
ونوح خاطب قومه بالرسالة نفسها
في سورة المؤمنون:
يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أَفَلَا تَتَّقُونَ
(سورة : 23 - سورة المؤمنون, اية : 23)
وهي الدعوة نفسها التي جاء بها
إبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب
وغيرهم من الرسل.
فشعيب، مثلًا
دعا قومه إلى عبادة الله
ثم ربطها مباشرة بالعدل في المعاملات
في سورة الأعراف:
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا
قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 85)
فالإنسان إذن
لا يعبد الله بطقوس
في أوقات و أماكن محددة
بل يعبده بالانخراط في منهجِه
منهجُُ
يظهر أثره في
العمل الصالح وبالبر والاحسان
ومساعدة المحتاجين والفقراء
والعدل
ومحاربة الفساد
وحفظ حقوق الناس.
ونشر الحب والسلام في الارض
منهجُُ
يرفض الخضوع
للظلم والطغيان وتشريعات البشر
المخالفة لمواعظ الله.
فهل وجدتم في هذه العبادة
منفعةً تعود على الله
حتى نتهمه بالنرجسية
لمجرد أنه أمرنا بعبادته؟
أنتظر أجوبتكم في التعليقات
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقتنا.
دمتم أعزائي في أحسن حال
ولا تتوقفوا عن السؤال
ولا تخافوا من التدبّر
فالحقيقة لا تخشى العقل.
كان معكم
بنفضيل فيصل.
على قناتكم ترتيل القرآن
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من دون الله
قد تبدو عبارة عادية
لكنها في الحقيقة
من أهم المفاتيح
لفهم معنى الشرك.
فهل تعني من غير الله
كما قيل لنا طوال 14 قرن؟
أم أنها تحمل معنى آخر
غاب عنّا كل هذا الزمن؟
في هذه الحلقة
سنتتبّع عبارة «من دون الله»
داخل القرآن
لنكتشف كيف يمكن لكلمتين فقط
أن تغيّرا فهمنا
للعبادة
والشرك
والدين من أساسه.
معكم بنفضيل فيصل
في برنامجكم ترتيل القرآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا وسهلًا بكم أعزائي المشاهدين،
وبكل من يبحث عن الحقيقة،
ولا يخشى أن يعيد النظر
في المعاني التي ورثها.
لنبدأ ببعض الأمثلة القرآنية
التي قد تكشف لنا
أن عبارة:
من دون الله
لا تعني دائمًا:
من غير الله،
بل قد تعني في بعض السياقات:
مع الله،
أي اتخاذ شركاء إلى جانبه.
يقول تعالى
في سورة البقرة:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ ==> كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 165)
لاحظوا جيدًا:
هؤلاء لم يتوقفوا عن حب الله
ولم يستبدلوه كليًّا بالأنداد
بل أحبّوا الله
ثم أحبّوا أندادًا أخرى
كحب الله.
أي إنهم وضعوا هذه الأنداد
إلى جانب الله
في الحبّ.
ومن هنا نستنتج أن عبارة:
من دون الله
لا تعني هنا أنهم تركوا الله تمامًا
بل إنهم اتخذوا أندادًا معه
فجعلوها شريكةً له
في الحب والتقديس والطاعة.
هل لاحظتم حجم التحريف
الذي لحق
بتفسير القرآن الكريم؟
لكن يبقى السؤال الأهم:
لكن هل تعني عبارة
«من دون الله»
مع الله؟
أم أنها تشير إلى مستوى أو مرتبة معيّنة
بالنسبة لله؟
هذا هو السؤال
الذي سنحاول الإجابة عنه
من خلال آيات هذه الحلقة.
لا تنسوا دعم الحلقة
بالضغط على زر الإعجاب،
ومشاركتنا آراءكم وتدبّراتكم
في التعليقات.
لننتقل الآن إلى سورة الزمر.
يقول تعالى:
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ
و الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى
(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 3)
لاحظوا جيدًا:
هؤلاء اتخذوا أولياء من دون الله
لكنهم لم يتركوا الله
ولم يجعلوا الأولياء أعلى منه.
بل كانوا يعبدون
هؤلاء البشر
حتى يقرّبوهم إلى الله.
أي إن الله بقي في المرتبة العليا
بينما وُضع الأولياء في مرتبة أدنى
باعتبارهم وسطاء يقربون الناس إليه.
ومن هنا يظهر أن عبارة
«من دون الله»
لا تعني
من غير الله أو بدلًا منه.
بل تعني
مع الله
ولكن في مرتبة أدنى منه.
فمرتبة الأولياء أدنى
ومرتبة الله أعلى.
وبالتالي فإن المعنى الدقيق
لكلمة
«من دون»:
هو
أدنى منزلةً
وأقلّ مرتبةً.
هل أدركتم الآن إلى أي حدّ
حُرّفت معاني القرآن؟
+++++++++++++++++
وتأتي آية أخرى
لتؤكد المعنى نفسه
لكن بصورة أكثر وضوحًا.
يقول تعالى
في سورة يونس:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ
وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِنْدَ اللَّهِ
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 18)
لاحظوا جيدًا:
هؤلاء لم ينكروا الله
ولم يستبدلوه كليًّا بآلهة أخرى.
بل آمنوا بوجوده
وجعلوه في المرتبة العليا
ثم وضعوا تحته
شفعاء يقرّبونهم إليه
ويدافعون عنهم عنده.
أي إنهم جعلوا الله في القمة
وجعلوا الشفعاء دونه في مرتبة أدنى.
وهو ما سمّاه القرآن
شركًا.
وهنا تتضح دلالة عبارة
«من دون الله»:
وجود شركاء مع الله
لكن في مرتبة أدنى منه.
هل رأيتم
كيف يمكن لعبارة بسيطة جدًا
أن تُفرَّغ
من معناها الحقيقي؟
+++++++++++++++++
ويقول تعالى في سورة التوبة:
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
(سورة : 9 - سورة التوبة, اية : 31)
هؤلاء لم يتركوا الله
بل اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابًا معه
ولكن في مرتبة أدنى منه.
إذن عبارة «من دون الله»
تعني:
مع الله
ولكن في مرتبة أقلّ
ولا تعني:
من غير الله.
هل رأيتم حجم التحريف؟
ويقول تعالى في سورة المائدة:
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ
إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 116)
لاحظوا أن النصارى
لم يتركوا الله
فعبدوا عيسى وأمّه
بدلًا منه
بل آمنوا بالله
ثم اتخذوا عيسى وأمّه إلهين معه
لكن في مرتبة أدنى منه.
فالعبارة لا تعني:
إلهين من غير الله،
بل تعني:
إلهين مع الله
ودونه في المرتبة.
وهذا مثال آخر يؤكد أن
«من دون الله»
تعني الجمع
بين الله
وآلهة أدنى منه
لا الاستغناء عن الله تمامًا.
ويؤكد القرآن هذا المعنى
في مواضع أخرى.
يقول تعالى في سورة النحل:
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ
قَالُوا: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو
مِنْ دُونِكَ
فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ
(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 86)
هؤلاء يصفونهم صراحةً بأنهم شركاؤهم.
أي إنهم لم يدعوهم بدل الله
بل دعوهم معه
وجعلوهم دونه في المرتبة.
وفي السورة نفسها
يقول تعالى:
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
لَوْ شَاءَ اللَّهُ
مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 35)
حتى المشركون أنفسهم
كانوا يعترفون بالله
ويقولون:
لو شاء الله ما عبدنا هؤلاء.
فالله حاضر في اعتقادهم
لكنهم عبدوا معه شركاء في مرتبة أدنى.
ثم يقول تعالى
في سورة آل عمران:
قُلْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 64)
أهل الكتاب كانوا يتخذون الله ربًّا
ثم يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا معه
ولكن في مرتبة أدنى منه.
ومن مجموع هذه الآيات
نستنتج بوضوح أن عبارة:
«من دون الله»
تعني:
مع الله
ولكن في مرتبة أدنى منه
ولا تعني:
من غير الله.
وبعد أن فهمنا معنى عبارة
«من دون الله»
تصبح هذه الآيات شديدة الوضوح.
يقول تعالى في سورة الأعراف:
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 3)
المعنى واضح:
اتبعوا ما أنزله الله إليكم
ولا تتبعوا معه أولياء
تضعونهم في مرتبة أدنى منه.
لكننا فعلنا العكس تمامًا:
أضفنا إلى القرآن كلامًا نُسب إلى نبيّنا
ثم اتبعنا أصحابه وشيوخه
إلى جانب ما أنزل الله.
ولذلك ختمت الآية بعبارة مؤلمة:
قليلًا ما تذكّرون.
ثم يقول تعالى في سورة آل عمران:
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 79)
لا يمكن لنبيّ
أن يطلب من الناس
أن يُصبحوا أتباعًا له مع الله.
فمهمّة النبي
أن يعيد الناس إلى الكتاب
لا أن يتحوّل هو نفسه
إلى مصدرٍ موازٍ له.
ويقول تعالى
في سورة الأعراف:
فَرِيقًا هَدَى
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 30)
المخيف هنا
أنهم لم يكونوا يعتقدون
أنهم ضالّون.
بل كانوا يحسبون أنهم مهتدون
وهم يتبعون أولياء مع الله.
+++++++++++++++++
ثم يقول تعالى
في سورة الأعراف:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 194)
الذين تُعلّقون بهم آمالكم
وتطلبون منهم
القرب
والشفاعة
والنجاة
ليسوا سوى عباد مثلكم.
فكيف يتحوّل البشر
إلى واسطة بين العبد وربّه؟
+++++++++++++++++
وأخيرًا يقول تعالى
في سورة الزمر:
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
و إِذَا ذُكِرَ
الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 45)
هذه الآية وحدها
تكشف الكثير:
حين يُذكر الله وحده ينزعجون
لكن حين تُذكر معه
بعض الأشخاص من دونه
أي في مرتبة أقلّ منه
يفرحون ويطمئنون.
وكأن الله وحده
لم يعد كافيًا.
وبعد أن اتّضح لنا معنى عبارة:
«من دون الله»
يبقى السؤال
الذي لا بدّ أن نطرحه
على أنفسنا
بصدق:
من هو ذلك الشخص
الذي إذا ذُكر اسمه
استبشر الناس وصلّوا عليه
وتعلّقت قلوبهم به
وطمعوا في شفاعته عند الله؟
لكن إذا ذُكر الله وحده
لم يتحرّك في الناس الشعور نفسه؟
ثم من هم الأولياء
الذين يتبعهم الناس
إلى جانب ما أنزل الله؟
من هم هؤلاء الأشخاص
الذي تحوّلت أقوالهم
مع مرور الزمن
إلى مرجعيات تُتبع مع كتاب الله
وأحيانًا تُقدَّم عليه؟
فهل نعبد الله وحده فعلًا؟
أم أننا وضعنا دونه أشخاصًا نحبهم
ونقدّس أقوالهم
ونتبعهم
وننتظر شفاعتهم؟
الإجابة لن نجدها في كتب التراث.
بل سنجدها عندما نواجه أنفسنا بصدق
ونقرأ هذه الآيات من جديد
بعيدًا عن المعاني التي ورثناها.
ويبقى ما قدّمته في هذه الحلقة
اجتهادًا بشريًا يصيب ويخطئ.
لا تأخذوا كلامي حقيقةً مطلقة
راجعوا الآيات بأنفسكم
وفكّروا فيها بعقولكم
حتى تكونوا من أولي الألباب.
دمتم في أحسن حال.
كان معكم بنفضيل فيصل
في برنامجكم ترتيل القرآن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجزء الرابع
هل يعبد الإنسان البشر؟
نعبد الله أم البشر و الحجر؟
عواقب الشرك في العبادة
نحن نعتقد أننا نعرف جيدًا معنى العبادة.
لكن ماذا لو كان القرآن
يستعمل كلمة العبادة
بطريقة مختلفة تمامًا عمّا ورثناه؟
وماذا لو كان الإنسان
قد يمارس نوعًا مختلفا من العبادة
من دون أن يشعر؟
في هذا الجزء الثالث
من حقائق عن العبادة
سنقف أمام آيات
قد تعيد ترتيب الصورة كلها
وتدفعنا إلى طرح سؤال غير مريح:
هل نعرف فعلًا من نعبد؟
و ما هي العواقب؟
هذا ما سنحاول الاجابة عنه
معكم بنفضيل فيصل
برنامجكم ترتيل القرآن
أهلًا وسهلًا بكل قلبٍ يبحث عن الحقيقة
وبكل عقلٍ
لم يفقد شجاعته في السؤال.
قبل أن نبدأ
لا تنسوا دعم الحلقة
بالضغط على زر الإعجاب
ومشاركتها مع من يهتم بتدبّر القرآن
واكتبوا آراءكم واجتهاداتكم في التعليقات
فقد تفتح ملاحظة من أحدكم
بابًا جديدًا للفهم.
رأينا في الحلقة السابقة
أن
عبارة مِنْ دُونِ اللَّهِ
لا تعني من غير الله
كما قيل لنا طيلة 14 قرن
بل تعني مع الله
لكن في مرتبة أدنى منه.
كان الله عندهم هو الإله الأعلى
لكنهم وضعوا تحته
وسطاء وشفعاء وأربابًا يقرّبونهم إليه.
و رأينا أيضا أنّ عبادة الله
لا تعني أداء طقوس
في أوقات و أماكن معينة
بل الانخراط في منهجه
واتباع مواعظه
و اللجوء إليه
لذلك ننتقل اليوم
إلى سؤال أكثر حساسية:
هل يعبد الإنسان البشر؟
ولنبدأ بهذه الآية
من سورة الفرقان:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
فَيَقُولُ
أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ
أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟؟؟
(سورة : 25 - سورة الفرقان, اية : 17)
هنا يتحدث القرآن
عن أناس يؤمنون بالله
لكنهم يعبدون معه بشرًا آخرين
يضعونهم في مرتبة أدنى منه
ويتخذونهم أولياء أو وسطاء أو شفعاء.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ولهذا يسأل الله
أولئك البشر الذين عبدهم الناس معه:
هل أنتم الذين أضللتم عبادي هؤلاء
أم أنهم ضلّوا الطريق بأنفسهم؟
والسؤال هنا موجّه
إلى كائنات تعقل وتتكلم وتجيب
وليس إلى حجارة صامتة فقط.
ويتكرر المشهد في سورة يونس:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ
فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ
وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ
مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)
(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 28 - 29)
في يوم الحساب
يفصل الله بين المشركين
وبين أولئك الذين جعلوهم
شركاء معه:
فيتبرأ هؤلاء منهم
ويقولون:
مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
بمعنى لم تكونوا
تتبعون ما قلناه.
مع كامل الأسف
سيكتشفون أنّ
الرسل بَلّغوا ما أوحى الله إليهم
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
لكن الناس بعد ذلك
اتبعوا أقوالًا نَسبها تجار الدين
إلى الرسل كذبًا وزورًا
وظنوا أنهم بذلك يتبعون الرسل
ويتقربون إلى الله.
لكن الحقيقة أنّ الأنبياء
غافلون عن هذه العبادة المفتراة
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
ولهذا يُذكِّر الرسول عليه السلام:
المشركين
بأكبر شهادة في القرآن
كدليل على براءته
شهادة الله بين الرسول
و قومه
و من وصل إليهم القرآن
قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً؟
قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى
قُلْ لَا أَشْهَدُ
قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
(سورة : 6 - سورة الأنعام, اية : 19)
فشهادة الله
بين الرسول والناس
هي القرآن الذي أوحي إليه
والرسول بريء من كل ما نُسب إليه زورًا
ثم جُعِل جزءًا من الدين.
ثم يأتي مشهد آخر
في سورة القصص:
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ
أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ (62)
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا
أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا.
تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ
مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)
وَقِيلَ: ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ
فَدَعَوْهُمْ
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
وَرَأَوُا الْعَذَابَ
لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64)
(سورة : 28 - سورة القصص, اية : 62 - 64)
لنتدبّر عبارة بعبارة
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ
أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟
أين هم المشرّعون
الذين كنتم تدّعون
أنّ كلامهم مقدّس؟
فيعترف الذين أضلّوا الناس
بأنهم هم أيضًا كانوا ضالين:
رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا
أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا.
أي إنهم اتبعوا موروثًا
لم يتحققوا من مصدره
ثم نقلوه إلى غيرهم على أنه دين الله.
فأضلّوا الناس
كما ضلّوا هم من قبل.
ثم يتبرؤون منهم ويقولون:
مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ.
أي أنهم لم يكونوا يتبعون افتراءاتنا
و كَذِبنا على الرسول الحبيب .
ثم يُقال للمشركين التابعين:
ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ.
أي اطلبوا المساعدة والشفاعة
- ممن كنتم تعبدون
- ممن كنتم تعتقدون
أنهم أولياء لكم عند الله.
لكنهم لن يستجيبوا لهم!!!!!
+++++++++++++++++
ويزداد المعنى وضوحًا في قوله
تعالى في سورة الزمر:
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ
و الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى
(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 3)
هؤلاء لم ينكروا الله
بل عبدوه
ثم جعلوا معه أولياء
في مرتبة أدنى
ظنًّا منهم أن هؤلاء الأولياء
سيقربونهم إلى الله.
+++++++++++++++++
ويقول تعالى
في سورة التوبة:
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
(سورة : 9 - سورة التوبة, اية : 31)
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا
مشرعين كالله
لكن في مرتبة أدنى منه
فمنحوهم سلطة دينية
وأخذوا منهم الفقه والسنة
والنسخ و المسخ
والتحليل والتحريم.
ومن هنا نفهم أن عبادة البشر
لا تحتاج دائمًا إلى سجود أو ركوع.
فقد تبدأ العبادة
حين يمنح الإنسان بشرًا مثله
حق الكلام باسم الله
أو يجعل أقوالهم مساوية لكلامه
أو يعتقد أنهم يملكون له الشفاعة.
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أمروا ليعبدوا الله وحده
و عدم الشرك به
بعبادة الأحبار و الرّهبان
ويقول القرآن
في سورة يونس:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ
وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 18)
إنهم يعبدون الله
لكنهم يعبدون في نفس الوقت
شفعاء
أقل منه منزلة
كالرسل
ويظنون أنهم سيتدخلون
لصالحهم يوم الحساب.
بينما يؤكّد الرسول عليه السلام
في سورة الأعراف:
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 188)
أعيد التأكيد الإلاهي
و قول الرسول
لتلاحظوا بأنفسكم تطابق الصيغة
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ
+
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
فإذا كان الرسول نفسه
لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا
فكيف نعتقد أنه يملك ذلك لغيره؟
ثم يقول تعالى
في سورة الصافات:
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (semblables)
وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ
فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم (23)
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)
(سورة : 37 - سورة الصافات, اية : 21 - 24)
أي احشروا الظالمين أنفسهم
مع أشباههم
ومعهم أولئك الذين
عبدوهم
بمعنى
اتبعوهم
وقدّسوهم
وجعلوهم شركاء مع الله
يفترون الكذب عليه
على لسان نبينا الحبيب زورا و بهتانا.
وهنا
يتضح معنى الشرك:
فالشخص قد يؤمن بالله
ويضعه في أعلى مرتبة
ثم يَعبُد معه بشرًا في مرتبة أدنى
حين يمنحه سلطة التشريع
أو يقدّم أقواله على كتاب الله
أو يجعله وسيطا وشفيعا
بينه وبين خالقه.
و يتضح معنى عبادة البشر
التي تبدأ
عندما لا يعود الله وحده
مصدر الدين
ويصبح للبشر
كلام يُنسب إلى الله
ثم يُتبع ويُقدّس من دون دليل.
+++++++++++++++++
لنمرّ الآن إلى عبادة الجماد
سواء كان
- حجرًا قائمًا في صورة صنم
أو
- بناءً مقدّسًا يطوف الناس حوله
أو
- حتى كتبًا بشرية طغت على كتاب الله
فأصبحت هي المرجع الحقيقي
في حياة الناس.
فالقرآن لا يكتفي بسؤالهم:
ماذا تعبدون؟
بل يدعوهم إلى استعمال العقل:
هل ما تتبعونه يسمعكم؟
هل ينفعكم أو يضرّكم؟
وهل تملكون عليه دليلًا؟؟؟
أم أنكم وجدتم آباءكم يفعلون ذلك
فواصلتم الطريق نفسه؟
قال تعالى في سورة الشعراء
على لسان إبراهيم عليه السلام:
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ؟ (70)
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ؟ (72)
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ (73)
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)
أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
(سورة : 26 - سورة الشعراء, اية : 70 - 77)
لاحظوا جوابهم:
لم يقولوا
إن هذه الأصنام
سمعتهم أو نفعتهم أو ضرّتهم.
بل كانت حجتهم الوحيدة:
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ.
وهنا تظهر حقيقة المشكلة.
فعبادة الأصنام
لا تتوقف عند الحجر نفسه
بل تشمل كل ما نُسج حوله
من عقائد وطقوس وتشريعات
اخترعها الإنسان
ثم قدّسها ونسبها إلى الله.
ولهذا قال إبراهيم عليه السلام
في سورة الصافات:
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ؟
(سورة : 37 - سورة الصافات, اية : 95)
الإنسان هو الذي نحت اللأصنام بيده
ثم عاد فخضع لها
الإنسان هو الذي بنى كعبات متعدّدة عبر العالم
ثم أسّس حولها طقوسًا وأفكارًا
ومصالح تجارية عظمى
وكأن ما صنعه أصبح أعلى منه.
ويقول الله
في سورة المائدة:
قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 76)
إذن السؤال القرآني واضح:
لماذا يتبع الإنسان
شيئًا لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا
ثم يمنحه سلطةً على عقله وحياته؟
هل بسبب
قوّة المال و المصالح؟
أم بسبب
الخوف من العذاب؟
أم
طمعا في حياة سهلة وممتعة
بعد الموت؟
أم هي
الثقة العمياء
في كل ما ورثناه عن الماضي؟
لهذا كانت مقاومة
كل فكرة جديدة
شديدةََ جدا.
+++++++++++++++++
ولهذا أيضًا
كان جواب الأقوام لرسلهم
يتكرر بالصورة نفسها:
قَالُوا
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ؟؟؟؟!!!!!
(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 70)
أي:
أتطلب منا
أن نترك ما ورثناه عن آبائنا
وأن نتبع الله وحده؟
فالقضية لم تكن مجرد
حجر ينحني الناس أمامه
بل منظومة كاملة موروثة
لها طقوسها وتشريعاتها
ومصالحها وسلطتها.
ولهذا قال قوم شعيب:
قَالُوا يَا شُعَيْبُ
أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ
أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟
(سورة : 11 - سورة هود, اية : 87)
لاحظوا أن العبادة ارتبطت هنا أيضًا
بما يفعلونه في أموالهم.
وهذا يعني أن العبادة
ليست مجرد حركة أمام صنم
بل اتباع منظومة تؤثر في
السلوك، والاقتصاد، والقوانين، وطريقة العيش.
أمّا الطاغوت
فقد يكون
كتابًا بشريًا
أو موروثًا
أو سلطة دينية
أو أي مرجع يطغى على كلام الله
ويأخذ مكانه في حياة الناس.
قال تعالى:
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
أَنْ يَعْبُدُوهَا
وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ
لَهُمُ الْبُشْرَى
فَبَشِّرْ عِبَادِ
(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 17)
إذن عبادة الله وحده
تعني ألّا نعطي الطاعة المطلقة
لحجر
ولا لبشر
ولا لكتاب ألّفه الإنسان
ولا لموروث ورثناه من آبائنا.
بل نجعل مواعظ الله وتشريعاته
فوق كل ما صنعه البشر
ثم قدّسوه باسم الدين.
ويبقى السؤال
الذي يضعه القرآن أمامنا:
هل تخلّص الإنسان فعلًا
من عبادة الأصنام؟
أم أنه ما زال يقدّس الحجر نفسه
سواء كان
- قائمًا في صورة تمثال
أو
- أفقيًّا في صورة بناء يطوف حوله؟
وهل تغيّر جوهر العبادة؟
أم
تغيّرت فقط أشكال الأصنام
فأصبحت أحجارًا وأبنيةً وكتبًا وطقوسًا
نخضع لها ونطيعها
من دون أن نسأل عن أصلها
أو نعرضها على العقل والقرآن؟
شاركوا معي أجوبتكم في التعليقات
ولمن يريد التوسّع أكثر
في هذا التدبّر القرآني
ما عليه إلا أن يتصفّح الموضوع الكامل
هو غنيّ بالأمثلة
والآيات القرآنية المثيرة للتأمل.
ستجدون الرابط في صندوق الوصف.
لقد وصلنا الآن
إلى سؤال محوري
في هذا الموضوع:
ما العواقب التي تترتّب على
عبادة آلهة من دون الله؟
يقول تعالى
في سورة المائدة:
قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 76)
ثم يتوجّه الخطاب مباشرة
إلى أهل الكتاب
في الآية الموالية:
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 76 - 77)
هذا الانتقال ليس عابرًا.
فالآية الأولى
تنتقد عبادة
ما لا يملك للإنسان ضرًّا ولا نفعًا
ثم تكشف الآية التالية
إحدى النتائج المباشرة لهذا الانحراف:
الغلوّ في الدين
واتباع أهواء البشر.
فعندما يبتعد الإنسان عن مرجعية الله
لا يترك الدين فارغًا
بل يملأه بتشريعات
وآراء وإضافات بشرية
ثم يمنحها مع مرور الزمن صفة القداسة.
وهنا يبدأ الغلوّ:
تتحوّل اجتهادات البشر
إلى أحكام ملزمة
وتتحوّل العادات إلى شعائر
ثم تصبح مخالفتها
وكأنها مخالفة لله نفسه.
ولهذا قال تعالى:
قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ
وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
فلم يقتصر ضلالهم على أنفسهم
بل نقلوه إلى غيرهم.
إذن عاقبة عبادة
ما لا يملك ضرًّا ولا نفعًا
ليست مجرد خسارة فردية
بل جماعية
مبنية على منظومة دينية كاملة
قائمة على الغلوّ
والتقليد
وتقديس ما لم يأذن به الله.
والنتيجة
النهائية الواضحة
التي علّمها لنا التاريخ هي:
تخلّف تلك المجتمعات.
لننتقل الآن إلى
عواقب عدم عبادة الله
يوم الحساب.
قال تعالى
في سورة غافر:
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
(سورة : 40 - سورة غافر, اية : 60)
لاحظوا أن الآية
تربط رفض عبادة الله
بالاستكبار.
فالإنسان قد يرفض المواعظ الالاهية
لأن الأنا تمنعه من الاعتراف بخطئه
أو تدفعه إلى التمسك بما ورثه عن آبائنا
أو بما يوافق مصالحه وشهواته.
وهذا الاختيار لا تظهر نتائجه في الآخرة فقط
بل قد يصنع للإنسان جحيمًا في الدنيا أيضًا
من خلال
الضلال، والفتن، والصراعات
والابتعاد عن الطريق الصحيح.
ومن هنا نفهم أن القضية
ليست مجرد طقوس نؤديها أو نتركها
بل طريق نختاره
ومنهج نسمح له بأن يقود حياتنا.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية الحلقة.
و أختم بهذه الآية الرائعة
من سورة يوسف:
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ
أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ (39)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ
إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)
(سورة : 12 - سورة يوسف, اية : 39 - 40)
كفانا تفرقة
و اتباعا لأرباب مختلفين!!!!
لنتشبّث بكتاب الله
و بذلك الدين القيم.
ويبقى ما قدّمته فيها
اجتهادًا بشريًا يصيب ويخطئ.
لذلك لا تأخذوا كلامي حقيقةً مطلقة
راجعوا الآيات بأنفسكم
وفكّروا فيها بعقولكم
لتستحقوا لقب أولوا الألباب.
لا تنسوا مشاركة تدبّراتكم
و اقتراحاتكم في التعليقات .
دمتم في أحسن حال
كان معكم بنفضيل فيصل
في برنامجكم ترتيل القرآن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.