آية مصيريّة تنفي وجود مهنة رجل الدين: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ==>ما جعل الله 1-أشخاصا يتوسّعون في الدّين و يضيفون فيه 2-و لم يهمل فيه شيئا 3-و لم يجعل صلة وصل بينه و بين الناس 4-ولم ينصّب أحدا لحماية الدّين و لكنّ المتكبّرين المنكرين يفترون الأكاذيب على الله وأكثرهم لايعقلون

القبلة

1- ملاحظات البسيطة

1-

كيف يمكن أن يصلّي شخص في الفضاء

إذا أراد الإتجاه إلى مكّة

 

2-

نفس التساؤل

بالنسبة لشخص متواجد في النّقطة المقابلة لمكّة

من الكرة الأرضية

 

 

2- معنى كلمة القبلة

في اللغة العربية و في القرآن الكريم.

القبلة هي الجهة

التي يتوجّه إليها الإنسان

أي الوجهة التي يقصدها

ويجعلها أمامه.

 

ونجد نفس المعنى نفسه

في القرآن الكريم

في سورة يونس:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ

أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ

بُيُوتًا

وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 87)

أي

اجعلوا بيوتكم

وجهةً تقصدونها

وتتوجّهون إليها.

فالقبلة في أصلِ معناها

ليست بالضرورة بناءً مقدسًا

بل هي الجهة أو الوجهة

التي يُتوجَّه نحوها.


3- آيات القبلة

آيات يستند إليها كثير من التراثيين

للقول إن السنّة وحيٌ

مستقل عن القرآن.

فالسيناريو الذي يقدّمونه يقول

إن الرسول الحبيب عليه السلام

توجّه أولًا إلى بيت المقدس

موافقًا في ذلك قبلة اليهود

بعدما تركوا قبلة النبي إبراهيم

بزعم أن الكعبة امتلأت بالأصنام .

ويقولون أيضًا :

بما أن القرآن ذكر تغيير القبلة

ولم يذكر الأمر الأول بالتوجّه إلى القدس

فهذا دليل قاطع على وجود وحي آخر

خارج القرآن.

لكن قبل أن نقبل هذا الاستنتاج

لنقرأ الآيات نفسها

ولننظر: هل تقول فعلًا ما نُسب إليها؟

قال تعالى في سورة البقرة:

 

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ

الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟؟؟

قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا

إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ

مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ

وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً

إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ

إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ

وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ

1- مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ

2- وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ

3- وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ

مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ

مِنَ الْعِلْمِ

إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)  

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 142 - 145)

ملاحظة أولى

هذه الآيات لم تذكر لفظ الصلاة

لا من قريب و لا من بعيد.

الآيات تتحدث عن قبلة

وعن اتباع الرسول

وعن الانقلاب على الأعقاب

وعن الهداية إلى صراط مستقيم

لكنها لا تذكر تغيير جهة الصلاة.

 

ملاحظة ثانية

لا توجد في الآيات أي إشارة

إلى بيت المقدس

أو

المسجد الأقصى.

فالقرآن يقول:

القبلة التي كنت عليها

لكنه لا يسمّي هذه القبلة

ولا يقول إنها القدس

ولا يخبرنا بأن اليهود كانوا يتجهون إليها

ولا يذكر أن الرسول تلقّى أمرًا سابقًا بها

عن طريق وحي غير قرآني.

كل هذه التفاصيل جاءت من خارج النص.

ومع ذلك

يستعملها بعضهم لإثبات

وجود وحي غير قرآني.

وهنا نقع في مغالطة منطقية

مشهورة

تُسمّى:

الاستدلال الدائري.

أي أنهم يفترضون أولًا

أن الرواية

صحيحة

ثم يستعملون هذه الرواية نفسها

لتفسير الآيات

وبعد ذلك يقولون

إن الآيات أثبتت صحة الرواية.

 

سأعيد الفكرة

نظرا لأهميتها القصوى:

أولًا

يفترضون

أن الرواية

صحيحة

ثانيا

يستعملون هذه الرواية

التي افترضوا أنها صحيحة

لتفسير الآيات

الخطوة الثالثة

وبعد ذلك يقولون

إن الآيات

أثبتت صحة الرواية.

 

ولتبسيط الفكرة

تخيّلوا متهمًا يقف أمام القاضي ويقول:

أنا بريء.

فهل يجب أن يصدّقه القاضي

لمجرد أن المتهم

شهد لنفسه بالبراءة؟

بالتأكيد لا.

لأن الشهادة لا تصبح دليلًا

لمجرد أن صاحبها يكررها.

وبالطريقة نفسها

لا يمكن استعمال رواية

لإثبات صحة نفسها.

 

ملاحظة ثالثة

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ

مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
.

لاحظوا استعمال فعل اتبع.

فهل الحديث عن اتباع اتجاه جغرافي

أم عن وجهة ومنهج يتبعه الإنسان؟

 لا شيء يدل على قبلة الصلاة

 

ملاحظة رابعة

يسأل السفهاء:

مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ

الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟

لماذا ترك هؤلاء الناس قبلتهم

==> (أي دينهم الباطل

الذي كانوا عليه

فهاجروا إلى دين الله)

فيأتي الجواب:

قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

الجواب لا يقدّس الشرق ولا الغرب

بل يقرر أن الجهتين لله

ثم ينقل الانتباه مباشرة من الجهات

إلى الهداية والصراط المستقيم.

الآيات تريد أن تعلّمنا

أن القيمة الحقيقية

ليست في الشرق ولا في الغرب

بل في الوجهة التي تقود الإنسان

إلى الصراط المستقيم

==> الذي هو القرآن الكريم

بإتباع المواعظ التي يحتوي عليها؟

 

ملاحظة خامسة

قال تعالى:

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.

هل المقصود أن الرسول

كان يحرّك عينيه ورأسه نحو السماء

انتظارًا لأمر جديد؟

أم أن كلمة الوجه هنا

تحمل معنى الوجهة؟

 

فالقرآن يقول في

سورة الإنسان:

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ

لِوَجْهِ اللَّهِ

لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا

(سورة : 76 - سورة الإنسان, اية : 9)

هل لله وجه مادّيّ؟

 

و في سورة البقرة:

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا

فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ

إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 115)

من الواضح جدا

أن وجه الله

ليس وجهًا ماديًا

بل وِجهتنا نحوه

و هي ليست محصورة في الشرق أو الغرب 

بل في جميع الجهات

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا

فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ

 

ثم نجد الجواب في قوله تعالى

في سورة الروم:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ

لِلدِّينِ الْقَيِّمِ

(سورة : 30 - سورة الروم, اية : 43)  

فعّل وجهتك للدّين القيّم.

 

الوجهة التي اختارها الله

للنبيّ الحبيب

هي الدين القيم

إذن تقلّب وجه الرسول

لا يعني أنّه يُقلّب

بعيناه و وجهه عن مكان جغرافي

 بل تُعبّر عن بحثه عن وجهة يرضاها قلبه

و هي الدّين القيّم ؟

 

ملاحظة سادسة

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟

قُلْ: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 142) 

لو تدبّروا القرآن جيّدا 

لإنتبهوا  بأنّ

المشرق و المغرب للّه

و ليس المشرق فقط:

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا

فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ

إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 115)

 

رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا

(سورة : 73 - سورة المزمل, اية : 9)

فالقرآن يقرر بوضوح

أن الله ليس محصورًا في جهة واحدة

لا في الشرق ولا في الغرب

ولا في نقطة واحدة من الأرض.

أينما نُولّ وجهنا بمعنى وجهتنا

فثمّ وجه الله

أي وجهة الله.

بل هو معنا أينما كنا

كما تؤكّد سورة الحديد:

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ

(سورة : 57 - سورة الحديد, اية : 4)

 

بل أكثر من ذلك

سورة ق تخبرنا أن الله أَقْرَبُ إِلَيْنا

مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ:

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ

مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ

(سورة : 50 - سورة ق, اية : 16)

 

دون أن ننسى

الآية 186 من سورة البقرة:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي

فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ

دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 186)

 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل أرادت آيات القبلة

أن تحصر الناس في اتجاه جغرافي جديد؟

أم أرادت أن تحررهم من تقديس الجهات

فتنقلهم إلى وجهة أسمى

وجهة الهداية الإلاهية

بالسير في صراطه المستقيم؟

باتباع القرآن

و ليس اتباع ما وجدنا عليه آباءنا؟

و هذه الآيات الرائعة

من سورة البقرة 

تؤكّد هذا الاتجاه:

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ

قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

وَلَكِنَّ الْبِرَّ

1- مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

2- وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ

وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ

3- وَأَقَامَ الصَّلَاةَ

4- وَآتَى الزَّكَاةَ

5- وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا

6- وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ

أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 177)

تقول الآية بوضوح شديد:

ليس البرّ أن توجّهوا وجوهكم

نحو اتجاه معيّن

شرقًا كان أم غربًا.

فالبرّ الحقيقي

لا يُختزل في اتجاهٍ جغرافي

ولا في حركةٍ ظاهرية

بل يتحقّق بالإيمان بالله واليوم الآخر

والملائكة والكتاب والنبيين

وبإيتاء المال

وإقامة الصلاة

وإيتاء الزكاة

والوفاء بالعهد

والصبر في الشدائد.

إذن قيمة الإنسان عند الله

لا يحدّدها اتجاه صلاته الحركية

بل القيم التي يفعّلها في حياته

والأعمال التي تجسّد إيمانه.

 

4- مثال منقول عن نبرد نادر 

يساعدنا على تدبّر الآية

هذه إشاره عن معنى الاية

تسمح بتخيّل معنى بقية الايات

مجموعه تتكون من 100 مسؤول

من كل الأحزاب و الوزارات مقربين من رئيس الدولة

لهم فكر فاسد واحد و منهج فاسد واحد

قام واحد منهم

بالتخلي عن الفساد الذي كان يغوص فيه

فقرر إرضاء ضميره إبتغاء وجه الله 

و إبتغاء تطؤّر البلد و إنقاد الشعب من الضياع 

تخلى عن منصبه و أنشأ حزب معارضا

لتغيير نظام التسيير الفاسد !!!

خرج و أعلن عن ما نواياه

فإنظمّ له 50 من المسؤلين

سيقول 50 الباقون:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا

 قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142)

(سورة البقرة)

من يشاء الإصلاح و الهداية

سيهديه الله يقينا

 

القبلة هي الصراط المستقيم هي القرآن الكريم بإتباعه

زيادة على الآيات التالية

الّتي تؤكّد نفس القول

 

5- الله معنا في كلّ مكان

 

 

6- ماذا لو كانت قصّة قبلة القدس

إفتراءا على الله و الرّسول

كمئات الإفتراءات والتناقضات الموجودة في الحديث

هل ستقولون لله لم نكن نتبع كتابك

لأنّنا كنّا نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا؟!!!!

 

 

7- مقال منقول

ليست مجرّد جهة مكانية محدّدة، بل هي نوع من «التوجّه المعنوي» نحو الرسالة الإلهية وتلقّي الهداية. ففي هذا المنظور، لا تمثّل القبلة نقطةً في الجغرافيا، بل معيارًا يحدّد علاقة الإنسان بالحقيقة؛ أي إلى أيّ وجهة يتوجّه، وأين يبحث عن مصدر هدايته. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 87) في هذه الآية، لا تبدو القبلة مكانًا خارجيًّا، بل توحي بنظامٍ داخليٍّ واجتماعيّ. فالبيوت نفسها تصبح «قبلةً»، أي مركزًا للتوجّه والائتلاف والسير في طريق الأمر الإلهي. ولو كانت القبلة مجرّد نقطة جغرافية، لما كان للأمر بجعل البيوت قبلةً معنى واضح. ومن ثمّ تدلّ الآية على أنّ القبلة، قبل أن تكون مسألة «أين يقف الإنسان»، هي بيانٌ لـ«كيف يتوجّه». ومن الناحية اللغوية أيضًا، فإنّ لفظ «القبلة» مشتقّ من الجذر «ق ب ل»، وهو جذر يدلّ على المواجهة والتلقّي والتوجّه. ومن هذا الحقل الدلالي جاءت ألفاظ مثل «المقابلة» و«الاستقبال» و«القبول». وعليه، فإنّ العنصر الأساس الكامن في لفظ القبلة هو «جهة التوجّه»، لا بالضرورة إحداثيًّا جغرافيًّا ثابتًا. ويتأكّد هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن. يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة 115) فهذه الآية تنفي حصر الله في الجهات المكانية. فـ«وجه الله» ليس محصورًا في ناحية مخصوصة، بل حيثما كان التوجّه الصادق إليه كان هناك وجه الله. ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن تكون القبلة وسيلةً لحصر الله في موضع معيّن، بل هي أداة لتنظيم توجّه الإنسان في طريق الهداية. وفي آية أخرى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص 88) وعلى هذا الأساس، فإنّ «الوجه» في منطق القرآن هو الحقيقة الباقية والاتجاه الإلهي الدائم؛ حقيقةٌ تتجاوز الأشياء والأماكن والصور الظاهرة. وعندما يرتبط مفهوم القبلة بـ«وجه الله»، فإنّه يرتفع من مستوى الاتجاه الفيزيائي إلى مستوى التوجّه المعرفي والإلهي. ومن هنا يعارض القرآن اختزال الدين في الجهات الظاهرية، فيقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ...﴾ (البقرة 177) في هذه الآية يفرّق القرآن بين توجيه الوجوه نحو الجهات الجغرافية وبين حقيقة البرّ (الطاعة والعبادة). فالطاعة والعبادة لا تختزلان في حركةٍ جسديةٍ للوجه، بل تتحقّقان من خلال توجّه واعٍ قائم على الإيمان. فإذا اختُزلت القبلة في مجرّد حركةٍ ظاهرية، فقدت وظيفتها الهدايةية. وحتى في قضية تحويل القبلة، يبيّن القرآن أنّ الغاية الأساس هي إظهار حقيقة الناس الباطنة، إذ يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة 143) وفي هذا البيان أيضًا، ليست القبلة هي الغاية في ذاتها، بل وسيلة لكشف الاتجاه الحقيقي للناس. فالاختبار إنما هو في حقيقة الاتّباع، لا في تقديس المكان. وكذلك في الآيات التي تأمر بالتوجّه إلى «المسجد الحرام»، استعمل القرآن لفظ «شطر»: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة 144) ولفظ «شطر» في العربية لا يقتصر على معنى النقطة الجغرافية الدقيقة، بل يدلّ أيضًا على معنى القصد والاتجاه. ومن ثمّ يمكن فهم تأكيد الآية على أنّه دعوة إلى اتّخاذ توجّهٍ مشترك، لا إلى تقديس مكانٍ بوصفه موضوعًا للعبادة. وبناءً على هذا الإطار، فإنّ كلّ توجّهٍ قائم على الحق، وكلّ اختيارٍ واعٍ في سبيل الهداية، وكلّ حركةٍ منسجمةٍ مع الرسالة الإلهية، يُعدّ إقبالًا على «وجه الله» وتحقيقًا لمعنى القبلة؛ لأنّ المقصد النهائي ليس الجهة نفسها، بل الحقيقة التي تستمدّ منها جميع الجهات معناها. ومن هنا يبدأ الانحراف؛ حين يحلّ «تحديد المكان» محلّ «التوجّه»، ويجلس «المكان» في موضع «الحقيقة». والقرآن يحذّر الإنسان باستمرار من مثل هذا التحوّل الجوهري