آية مصيريّة تنفي وجود مهنة رجل الدين: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ==>ما جعل الله 1-أشخاصا يتوسّعون في الدّين و يضيفون فيه 2-و لم يهمل فيه شيئا 3-و لم يجعل صلة وصل بينه و بين الناس 4-ولم ينصّب أحدا لحماية الدّين و لكنّ المتكبّرين المنكرين يفترون الأكاذيب على الله وأكثرهم لايعقلون

من دون الله

تعتبر أداة الوصل -من دون- من بين أهمّ الكلمات القرآنية

إذ تعتبر مفتاحا رئيسيا لفهم المعنى الحقيقي للشرك

 

 

1- آيات توضّح معنى عبارة من دون

1-

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ

مِنْ دُونِ اللَّهِ

أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ ==> كَحُبِّ اللَّهِ

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ

وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ

(سورة : 2 - سورة البقرة, اية : 165)

لاحظوا جيدًا:

هؤلاء لم يتوقفوا عن حب الله

ولم يستبدلوه كليًّا بالأنداد

بل أحبّوا الله

ثم أحبّوا أندادًا أخرى

كحب الله.

أي إنهم وضعوا هذه الأنداد

إلى جانب الله

في الحبّ.

ومن هنا نستنتج أن عبارة:

من دون الله

لا تعني هنا أنهم تركوا الله تمامًا

بل إنهم اتخذوا أندادًا معه

فجعلوها شريكةً له

في الحب والتقديس والطاعة.

هل لاحظتم حجم التحريف

الذي لحق

بتفسير القرآن الكريم؟

لكن يبقى السؤال الأهم:

لكن هل تعني عبارة

«من دون الله»

مع الله؟

أم أنها تشير إلى مستوى أو مرتبة معيّنة

بالنسبة لله؟

هذا هو السؤال

الذي سنحاول الإجابة عنه.

 

2-

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ

و الَّذِينَ اتَّخَذُوا

مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ

مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا

لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى

إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ

(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 3)

لاحظوا جيدًا:

هؤلاء اتخذوا أولياء من دون الله

لكنهم لم يتركوا الله

ولم يجعلوا الأولياء أعلى منه.

بل كانوا يعبدون

هؤلاء البشر

حتى يقرّبوهم إلى الله.

أي إن الله بقي في المرتبة العليا

بينما وُضع الأولياء في مرتبة أدنى

باعتبارهم وسطاء يقربون الناس إليه.

ومن هنا يظهر أن عبارة

«من دون الله»

لا تعني

من غير الله أو بدلًا منه.

بل تعني

مع الله

ولكن في مرتبة أدنى منه.

فمرتبة الأولياء أدنى

ومرتبة الله أعلى.

وبالتالي فإن المعنى الدقيق

لكلمة

«من دون»:

هو

أدنى منزلةً

وأقلّ مرتبةً.

هل أدركتم الآن إلى أي حدّ

حُرّفت معاني القرآن؟

 

3-

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ

وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا

عِنْدَ اللَّهِ

قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 18)

لاحظوا جيدًا:

هؤلاء لم ينكروا الله

ولم يستبدلوه كليًّا بآلهة أخرى.

بل آمنوا بوجوده

وجعلوه في المرتبة العليا

ثم وضعوا تحته

شفعاء يقرّبونهم إليه

ويدافعون عنهم عنده.

أي إنهم جعلوا الله في القمة

وجعلوا الشفعاء دونه في مرتبة أدنى.

وهو ما سمّاه القرآن

شركًا.

وهنا تتضح دلالة عبارة

«من دون الله»:

وجود شركاء مع الله

لكن في مرتبة أدنى منه.

 

هل رأيتم

كيف يمكن لعبارة بسيطة جدًا

أن تُفرَّغ

من معناها الحقيقي؟

 

4-

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا

مِنْ دُونِ اللَّهِ

وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

(سورة : 9 - سورة التوبة, اية : 31)

هؤلاء لم يتركوا الله

بل اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابًا معه

ولكن في مرتبة أدنى منه.

إذن عبارة «من دون الله»

تعني:

مع الله

ولكن في مرتبة أقلّ

ولا تعني:

من غير الله.

هل رأيتم حجم التحريف؟

 

5-

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ

أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ

إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟

قَالَ

سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ

إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ

فَقَدْ عَلِمْتَهُ

تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي

وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ

إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ

(سورة : 5 - سورة المائدة, اية : 116)

لاحظوا أن النصارى

لم يتركوا الله

فعبدوا عيسى وأمّه

بدلًا منه

بل آمنوا بالله

ثم اتخذوا عيسى وأمّه إلهين معه

لكن في مرتبة أدنى منه.

فالعبارة لا تعني:

إلهين من غير الله،

بل تعني:

إلهين مع الله

ودونه في المرتبة.

وهذا مثال آخر يؤكد أن

«من دون الله»

تعني الجمع

بين الله

وآلهة أدنى منه

لا الاستغناء عن الله تمامًا.

 

ويؤكد القرآن هذا المعنى

في مواضع أخرى.

يقول تعالى في سورة النحل:

6-

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ

قَالُوا: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو

مِنْ دُونِكَ

فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ

(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 86)

هؤلاء يصفونهم صراحةً بأنهم شركاؤهم.

أي إنهم لم يدعوهم بدل الله

بل دعوهم معه

وجعلوهم دونه في المرتبة.

 

وفي السورة نفسها

يقول تعالى:

7-

وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا

لَوْ شَاءَ اللَّهُ

مَا عَبَدْنَا

مِنْ دُونِهِ

مِنْ شَيْءٍ

نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا

وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ

كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

(سورة : 16 - سورة النحل, اية : 35)

حتى المشركون أنفسهم

كانوا يعترفون بالله

ويقولون:

لو شاء الله ما عبدنا هؤلاء.

فالله حاضر في اعتقادهم

لكنهم عبدوا معه شركاء في مرتبة أدنى.

 

ثم يقول تعالى

في سورة آل عمران:

8-

قُلْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا

مِنْ دُونِ اللَّهِ

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 64)

أهل الكتاب كانوا يتخذون الله ربًّا

ثم يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا معه

ولكن في مرتبة أدنى منه.

 

ومن مجموع هذه الآيات

نستنتج بوضوح أن عبارة:

«من دون الله»

تعني:

مع الله

ولكن في مرتبة أدنى منه

ولا تعني:

من غير الله.

   

2- آيات تتضح بعد فهم معنى من دون

وبعد أن فهمنا معنى عبارة

«من دون الله»

تصبح هذه الآيات شديدة الوضوح.

يقول تعالى في سورة الأعراف:

1-

اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ

قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ

(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 3)

المعنى واضح:

اتبعوا ما أنزله الله إليكم

ولا تتبعوا معه أولياء

تضعونهم في مرتبة أدنى منه.

لكننا فعلنا العكس تمامًا:

أضفنا إلى القرآن كلامًا نُسب إلى نبيّنا

ثم اتبعنا أصحابه وشيوخه

إلى جانب ما أنزل الله.

ولذلك ختمت الآية بعبارة مؤلمة:

قليلًا ما تذكّرون.

 

ثم يقول تعالى

في سورة آل عمران:

2-

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ

الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ

ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ

 كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ

وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ

بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ

وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ

(سورة : 3 - سورة آل عمران, اية : 79)   

لا يمكن لنبيّ

أن يطلب من الناس

أن يُصبحوا أتباعًا له مع الله.

فمهمّة النبي

أن يعيد الناس إلى الكتاب

لا أن يتحوّل هو نفسه

إلى مصدرٍ موازٍ له.

 

ويقول تعالى

في سورة الأعراف:

3-

فَرِيقًا هَدَى

وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ

إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ

أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 30)

المخيف هنا

أنهم لم يكونوا يعتقدون

أنهم ضالّون.

بل كانوا يحسبون أنهم مهتدون

وهم يتبعون أولياء مع الله.


ثم يقول تعالى

في سورة الأعراف:

4-

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ

فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ

إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 194)

الذين تُعلّقون بهم آمالكم

وتطلبون منهم

القرب

والشفاعة

والنجاة

ليسوا سوى عباد مثلكم.

فكيف يتحوّل البشر

إلى واسطة بين العبد وربّه؟

 

وأخيرًا يقول تعالى

في سورة الزمر:

5-

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ

اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

و إِذَا ذُكِرَ

الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ

إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

(سورة : 39 - سورة الزمر, اية : 45)

هذه الآية وحدها

تكشف الكثير:

حين يُذكر الله وحده ينزعجون

لكن حين تُذكر معه

بعض الأشخاص من دونه

أي في مرتبة أقلّ منه

يفرحون ويطمئنون.

وكأن الله وحده

لم يعد كافيًا.

 

6-

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ

وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ

وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ

قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا

قَالَتَا: لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ

(سورة : 28 - سورة القصص, اية : 23)

 

7-

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ

فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ

وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ

وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ

فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا

(سورة : 4 - سورة النساء, اية : 119)

 

8-

وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ

فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ

(سورة : 10 - سورة يونس, اية : 106)  

 

9-

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً

مِنْ دُونِ النِّسَاءِ

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ

(سورة : 7 - سورة الأعراف, اية : 81)

 

من الآيات السابقة نفهم أنّ قوم لوط

كانوا يأتون الرجال بدرجة أدنى من النساء

كيف يأتونهم؟

هنا يكمن السؤال

ستظهر الحقيقة مع مرور الزمن

 

 

 

خاتمة

وبعد أن اتّضح لنا معنى عبارة:

«من دون الله»

يبقى السؤال

الذي لا بدّ أن نطرحه

على أنفسنا

بصدق:

من هو ذلك الشخص

الذي إذا ذُكر اسمه

استبشر الناس وصلّوا عليه

وتعلّقت قلوبهم به

وطمعوا في شفاعته عند الله؟

لكن إذا ذُكر اسمه تعالى وحده

لم يتحرّك في الناس الشعور نفسه؟
ثم من هم الأولياء

الذين يتبعهم الناس

إلى جانب ما أنزل الله؟ 

من هم هؤلاء الأشخاص

الذي تحوّلت أقوالهم

مع مرور الزمن

إلى مرجعيات تُتبع مع كتاب الله

وأحيانًا تُقدَّم عليه؟

 

فهل نعبد الله وحده فعلًا؟

أم أننا وضعنا دونه أشخاصًا نحبهم

ونقدّس أقوالهم

ونتبعهم

وننتظر شفاعتهم؟

الإجابة لن نجدها في كتب التراث.

بل سنجدها عندما نواجه أنفسنا بصدق

ونقرأ هذه الآيات من جديد

بعيدًا عن المعاني التي ورثناها.

ويبقى ما قدّمته 

اجتهادًا بشريًا يصيب ويخطئ.

لا تأخذوا كلامي حقيقةً مطلقة

راجعوا الآيات بأنفسكم

وفكّروا فيها بعقولكم

حتى تكونوا من أولي الألباب.