طواف
تخيّلوا معي هذا المشهد.
إنسان يملك 3 آلاف دولار،
فيصرفها في سفرٍ،
وفندقٍ،
وتنقلاتٍ،
وطقسٍ يظنّ أنه سيقرّبه إلى الله.
وفي مكان آخر،
يوجد طفل لا يحتاج
إلا إلى جزء من هذا المبلغ
ليشتري دواءً يبقيه حيًّا.
يوجد مريض كِلَى،
أو مريض قلب،
أو إنسان مهدّد بفقدان بصره،
وحياته معلّقة بمبلغ قد نصرفه نحن
في أيام قليلة،
ثم نعود إلى بيوتنا كما ذهبنا.
المشكلة ليست في عدم وجود المحتاجين.
المشكلة في أننا لم ندرّب أعيننا على رؤيتهم.
السؤال الحقيقي ليس:
هل يوجد من يحتاج إلى الإنقاذ؟
بل السؤال الحقيقي هو:
هل نريد فعلًا أن نبحث عنه؟
ثم أسأل سؤالًا آخر،
وأتركه لضمائركم.
إذا أراد الإنسان أن يتقرّب إلى الله،
فما الأقرب إلى الله؟
أن ينقذ روحًا كانت على حافة الموت؟
أم أن يصرف المال في طقسٍ موروث،
ثم يعود وهو يظن أن ذنوبه قد مُحيت؟
معكم فيصل بنفضيل،
برنامجكم
ترتيل القرآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا وسهلًا بكم
في حلقة جديدة من قناتكم
ترتيل القرآن.
ما زلنا في هذه السلسلة
نقف مع كلمة واحدة
في كل حلقة،
حتى نقترب شيئًا فشيئًا
من المعنى الحقيقي لآيات الحج.
ذلك المعنى الذي غاب لمدّة 14 قرن
تحت ركام الموروث
والتكرار،
والتسليم دون سؤال.
حلقة اليوم سنخصصها لكلمة
نسمعها كثيرًا،
ونظنّ أننا نفهمها جيدًا،
لكنها قد تكون من أكثر الكلمات
التي أُسيء فهمها في القرآن الكريم.
إنها كلمة:
طواف.
فما المعنى الحقيقي للطواف في القرآن؟
هل هو مجرد حركة دائرية
حول بناء مادي؟
أم أن كلمة الطواف في القرآن
تحمل معنى أعمق بكثير؟
كل ما أطلبه منكم
هو التأمل بهدوء،
واستخدام العقل،
ثم الحكم بأنفسكم في النهاية.
لأن السؤال الحقيقي ليس:
هل هذه الأفكار صادمة؟
بل السؤال الحقيقي هو:
هل هي صحيحة
أم لا؟
++++++++++++++++++++++
لكن قبل أن نبدأ
ادعموا هذا المحتوى
بالضغط على زر الإعجاب،
والاشتراك في القناة.
فهذا النوع من الطرح
لا ينتشر إلا بكم،
وبشجاعتكم في فتح الأسئلة
التي خاف كثيرون من الاقتراب منها.
شاركوا مع الأهل و الأصدقاء لتعم الفائدة
++++++++++++++++++++++
سنبدأ بهذه الملاحظات المهمة.
الملاحظة الأولى
(لا نجد في كلّ القرآن عبارة
الطواف حول)
الملاحظة الثانية
ورد في
البخاري: 5215
مسلم: 309:
أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ
كانَ يَطُوفُ علَى نِسائِهِ
في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ
وله يَومَئذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
الراوي : أنس بن مالك
البخاري: 5215
مسلم: 309
أولا و قبل كل شيء
أقولها بوضوح:
هذا الحديث في مضمونه
لا يليق أبدًا
بمقام الرسول عليه السلام
ولا بصورة النبي الرحمة
ولا بالأخلاق الرفيعة
التي يرسمها القرآن عنه.
ولذلك فأنا لا أستدل به
لإثبات فعلٍ عن الرسول
بل أراه حديثًا مكذوبًا عليه.
لكنني أستحضره هنا
من زاوية لغوية فقط.
لأن الذين نقلوا هذا الحديث
حتى وهم ينسبون إليه
معنى لا يليق بالرسول
استعملوا كلمة:
يطوف.
فإذا كان معنى الطواف
هو الدوران فقط
فكيف فهموا عبارة:
يطوف على نسائه؟
هل كانوا يقصدون أنه يدور حولهن؟
طبعًا لا.
المعنى اللغوي واضح هنا:
أي يمرّ عليهن
ويتنقّل بينهن
ويزورهن واحدة بعد أخرى.
إذن حتى في الاستعمال العربي المعروف
كلمة الطواف
لا تعني دائمًا الدوران حول شيء.
ومن هنا يبدأ السؤال:
هل الطواف في القرآن
محصور فعلًا في الدوران حول بناء؟
أم أن الكلمة أوسع بكثير
مما ورثناه؟
لنمرّ الآن للملاحظة الثالثة
في سورة الحج.
يقول الله تعالى:
وَلْيَطَّوَّفُوا
بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
(سورة : 22 - سورة الحج, اية : 27 - 29)
لنتوقف قليلا فنتأمل.
الآية لم تقل:
وليَطُوفوا بالبيت.
بل قالت:
وليطَّوَّفوا بالبيت.
ثم هناك ملاحظة أخرى:
قالت الآية:
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ
ولم تقل:
وَلْيَطَّوَّفُوا حول البيت.
وهناك فرق كبير بين العبارتين.
فلو كان المقصود
مجرد حركة دائرية حول بناء
لكان التعبير الأقرب إلى أذهاننا:
ليطوفوا حول البيت.
لكن القرآن اختار تعبيرًا آخر:
وليطَّوَّفوا بالبيت العتيق.
تأملوا معي الفرق.
حين نقول:
تَطوفُ بالناس في المدينة
فالمعنى ليس أنك تدور حول الناس!!!!
بل أنك تحملهم
وتتنقّل بهم
وتجعلهم داخل تجربة الطواف.
الناس هنا ليسوا شيئًا تدور حوله
بل هم الطرف
الذي يقع عليه الفعل.
نعم
من جهة الإعراب نقول:
تَطوفُ بالناس.
بالناس هنا: جار ومجرور.
لكن من جهة
المعنى
تَطوفُ بالناس.
هنا الناس
مفعول به
بمعنى وقع عليهم
فعل الطواف.
لنقارن الآن العبارتين
ليتضح لكم المعنى
إذا قلنا:
تطوف بالناس
أي تتحرك بهم.
يحق لنا أن نفهم:
تطوّفوا بالبيت
أي تحرّكوا بالبيت
و البيت هو الذي يقع عليه الفعل
تذكّروا معي معنى البيت
في الحلقة السابقة!!!!
وهنا يصبح السؤال مهمًا جدًا:
هل أراد القرآن منّا
حركة جسدية حول حجرِِِ
فعلا؟
أو بصيغة أخرى
هل البيت هنا مجرد بناء ندور حوله؟
أم أنه هو المنظومة نتحرّك بها
وننتقل معها
ونجعلها حاضرة في وعينا وسلوكنا؟
++++++++++++++
لنمر اللحظة إلى المعجم
لنبحث عن المعنى الأصلي
لفعل طاف
يقال:
طاف في البلاد
أي
سار فيها وتنقّل، وارتحل.
ويقال:
طاف به الخيال بعيدًا
أي
ذهب به، ونقله من حال إلى حال.
إذن
الطواف في أصل معناه
ليس محصورًا في الدوران حول شيء.
بل يدلّ على:
التنقّل،
والسعي،
والتردّد،
والمرور المتكرر.
وهنا أستحضر اجتهادًا جميلًا
للباحث حسين الخليل.
الذي أكّد المعنى بهذه الأمثلة البسيطة:
المحافظ طاف بالحي
أو
طاف بالمصنع.
هل يفهم عاقل أنه دار
حول الحي أو المصنع؟
طبعًا لا.
المعنى واضح:
أي أنه زار المكان
وتنقّل فيه
وتفقّده
وعاين ما يجري داخله.
وهذا المعنى نجده أيضًا في القرآن.
يقول الله تعالى:
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ)
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ - كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ)
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا)
فهل الولدان في الجنة
يدورون حول الناس؟
طبعًا لا.
المعنى أنهم يمرّون عليهم،
ويتردّدون بينهم،
ويقدّمون لهم ما ينتفعون به.
إذن الطواف في القرآن
ليس بالضرورة دورانًا حول حجر أو بناء.
بل هو تنقّل وتردّد و حركة متكررة.
++++++++++++++
ومن أوضح الآيات
التي تكشف معنى الطواف
قوله تعالى في سورة النور:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ
الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
1- مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
2- وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ
3- وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ
ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ
لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ
طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ
بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(سورة : 24 - سورة النور, اية : 58)
تأملوا جيدًا قوله:
طوّافون عليكم
بعضكم على بعض.
هل معنى هذا
أن بعضهم يدور حول بعض؟
طبعًا لا.
المعنى واضح جدًا:
أي أنكم تترددون على بعضكم
وتدخلون وتخرجون
وتتحركون داخل الحياة اليومية المشتركة.
فالآية تتحدث عن تنظيم الخصوصية
داخل البيت أو دائرة العيش
لا عن حركة دائرية.
لهذا اشترطت الاستئذان
في ثلاث أوقات خاصة
ثم رفعت الحرج بعد ذلك
لأن الناس في حياتهم اليومية:
طوّافون بعضهم على بعض.
أي كثيرو الدخول
والخروج
والمرور
والتردد.
وهنا يتأكد مرة أخرى
أن الطواف في القرآن
ليس محصورًا في الدوران حول بناء.
بل معناه الأوسع:
التردد
والمرور
والحركة المتكررة
داخل مجال معيّن.
وهكذا نصل إلى نهاية هذه الرحلة القصيرة
مع كلمة:
الطواف.
لقد عاينتك بأنفسكم
أن الطواف في القرآن
لا يعني بالضرورة الدوران حول شيء،
ولا يعني اللفّ سبع مرات حول بناء.
ولهذا قلنا منذ البداية:
لا تحبسوا القرآن
داخل الصورة التي ورثتموها.
ولا تحبسوا الكلمات
داخل الطقس الذي اعتدتم عليه.
فالقرآن أوسع من العادة،
وأعمق من الموروث،
وأقرب إلى العقل
مما صوّروه لنا.
أنا لا أطلب منكم أن تتبعوني.
ولا أطلب منكم أن تصدّقوني.
كل ما أطلبه منكم
أن تفتحوا القرآن بأنفسكم،
وتقارنوا الآيات،
وتبحثوا عن المعنى
بصدق وشجاعة.
فمن أراد الحقيقة،
لا يخاف السؤال.
ومن وثق بالقرآن،
لا يخاف العقل.
في الحلقة القادمة إن شاء الله،
سنواصل هذه الرحلة
مع كلمة جديدة من كلمات الحج،
لنقترب أكثر
من المعنى الذي غاب طويلًا
تحت ركام الموروث والتكرار.
إلى ذلك الحين،
دمتم متنورين،
متفائلين،
وسعداء.
كان معكم
فيصل بنفضيل
السلام عليكم