لماذا جمع الله الصالح بالطالح في اختبار واحد؟
نقرأ في سورة البقرة:
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"
تتساءل الملائكة مُسْتَغْرِبَةً
عن الهدف من وراء سماح الله
بوجود من يفسد في الأرض ويسفك الدماء
دون التمييز بين الصّالح والطّالح
ولا بين الضعيف والقوي؟
فأجابهم عز وجلّ
بأن هناك سببا وجيها لا يعلمه إلا هو
فما هو يا ترى هذا السبب؟
هذا ما سنحاول استكشافه عبر هذا البرهان بالخُلْف:
ماذا لو تدخّل الله تدخّلًا مباشرًا
ففصل الظالمين أنفسهم عن الصالحين المحسنين المسالمين
ضمانًا لحقّهم في العيش بسلامٍ وأمان
بعيدًا عن المشاكل والمصائب والفتن
التي يتسبّب فيها المجرمون؟
ألن يكون ذلك، ظاهريًا، أكثر عدلًا وأقرب إلى السلام؟
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل المصيري،
لنذكّر بأنواع الأشرار الثلاثة.
المجموعة أ: أشرار واعون جبناء
المجموعة ب: أشرار واعون متعمّدون
المجموعة ت: أشرار غير واعين
ومن جهةٍ أخرى
عادة ما يُوجَّه كلُّ ما يُخلَق نحو غاية ما
في مساره
ليظهر في أحسن صورةٍ تليق به.
لذلك يبدو، من الوهلة الأولى
منطقيًا عزلُ الأخيار عن الأشرار بأطيافهم الثلاثة
مع تقرير مصير أصحاب النفوس الضعيفة
والمتأرجحين بين الخير والشرّ.
بل حتى من زاوية العدل الإنساني
يُفهم هذا الخيار على أنه هو الأرحم
لا بدافع الإكراه
بل تفاديًا للكوارث والمصائب
وضمانًا لحياة آمنة وكريمة لمن يستحقها.
غير أنّ هذا السيناريو
على وجاهته الظاهرية
يحمل في طيّاته إشكالات عميقة
فلو تدخّل الله منذ البداية
بعزل هذه المجموعات
في مكانٍ ما من هذا الكون الفسيح
اعتمادًا على علمه بحقائقهم الباطنة
لكان ذلك كافيًا لفتح باب اعتراضٍ واسع.
فالمجموعة (أ) ستُنكر حقيقتها جملةً وتفصيلًا
لأنها تعلم يقينًا أنه لا يوجد دليل واحد ظاهر يُثبت شرّها.
أمّا المجموعة (ت)
فهي - بين ضعفٍ واستكبار-
مقتنعة تمام الاقتناع بصلاحها
ولن تقبل هذا الإقصاء أبدًا
بل ستراه ظلمًا صريحًا لا يمكن تبريره
ولها من حيث منطق العدل كلّ الحق في الاعتراض
بل حتى المجموعة (ب) نفسها ستحتجّ قائلة
قبل أيّ عزل وعذاب (بمعنى حرمان) :
لِمَ لَمْ تُرسل إلينا رسولًا يهدينا بالآيات
فنختار الاتّباع عن وعيٍ واقتناع؟
"وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ
لَقَالُوا:
رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)
قُلْ: كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا
فَسَتَعْلَمُونَ
مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ
وَمَنِ اهْتَدَى (135)"
وتكشف الآية هنا عن مبدأٍ مهم:
أن الإنسان يحتجّ
إذا غاب عنه البيان
في صورة رسولٍ يدعوه إلى اتّباع آيات الله
فالاختيار لا يكون مسؤولًا حقًا
إلا حين تتاح له فرصة الفهم
ثم يُترك له أن يتبع أو يرفض عن وعيٍ واقتناع.
وتأتي سورة النساء لتؤكّد هذا المبدأ
بصورة أكثر مباشرة:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)
فالبيان يسبق المحاسبة
حتى لا تبقى للإنسان حجّة
بأنه لم تُتح له فرصة الفهم والاختيار.
ثم يبرز اعتراضٌ آخر لا يقلّ وجاهةً في عمقه:
إذا كنّا بوصفنا أشرارًا نمتلك حرية الاختيار
فما الذي يمنعنا من أن نُصلح أنفسنا
من أوّل تجربة نمرّ بها؟
ولماذا لا يُمنَح الجميع فرصة واحدة حاسمة
متكافئة الحظوظ
تُطوى بها هذه الصفحة نهائيًا؟
أمّا المتأرجحون بين الخير والشرّ
فلا يمكن الحسم في مصيرهم أصلًا
دون بيّنة عادلة وواضحة
إذ لا يُدان التردّد
ولا يُعاقَب التّيه
ولا يُجرَّم البحث الصادق عن الحقيقة.
كلّ هذه الاعتراضات والتظلّمات تكشف
في عمقها
محدودية الحكم المسبق
وتؤكّد أن النيّة لا تُقاس باللحظة الأولى
ولا تُختزل في قرارٍ معزول.
ولهذا
فإنّ الحسم الإلهي المباشر
قبل قيام الحجّة لا يُنهي الجدل
بل يُحوّله إلى اعتراضٍ أخلاقي.
وهنا يبرز السؤال الحاسم
إذا كان هذا التدخّل المباشر سيجعل،
- المتأرجح يحتار
- والضعيف ينهار
- والظالم الجبان يعترض
- والظالم المتعمّد يشترط
- والمستكبر يَستنكر
فيتحوّل الحكم عليهم إلى ظلمٍ بلا بيّنة
فكيف يمكن إذن فرز هذه المجموعات فرزًا عادلًا
لا يُظلَم فيه أحد
ولا يُحتجّ فيه بغياب الدليل
ولا يُقصى فيه بريء؟