حج
حقيقة الإسلام
https://www.youtube.com/watch?v=V69l8o9CX4M
دعوني أسألكم سؤالًا بسيطًا
هل يوجد في هذا العالم
إنسانٌ قد تنقذه 3 آلاف دولار فقط؟
مريض
حياته مرهونة بعملية
لا يملك تكاليفها؟
طفل يحتاج دواءا
ليتمكن من العيش؟
الجواب بكل تأكيد:
نعم.
وقد تقولون لي:
أين نجد هؤلاء؟
وأقول لكم:
إن بحثنا عنهم بصدق
سنجدهم.
إذن
السؤال الحقيقي ليس:
هل يوجد من يحتاج إلى الإنقاذ؟
بل السؤال هو:
هل نريد نحن فعلًا أن نبحث عنه؟
ثم أسأل سؤالًا آخر…
إذا أراد الإنسان أن يتقرب إلى الله
فما الأقرب إلى الله:
أن ينقذ روحًا كانت على حافة الموت؟
أم أن يدور حول حجر
ثم يعود كما ذهب؟
أنا لا أفرض عليكم الجواب
لكنني أتركه لضمائركم.
أيّهما أقرب إلى الله؟
إنقاذ إنسان
أم
تكرار طقس؟
معكم بنفضيل فيصل
برنامجكم ترتيل القرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا وسهلًا بكم من جديد
في حلقة جديدة
من قناتكم ترتيل القرآن.
لقد قررت أن أبدأ سلسلة قصيرة
نتدبّر فيها بعض الكلمات المهمة
المرتبطة بالحج.
في كل حلقة سنقف مع كلمة واحدة
حتى نقترب شيئًا فشيئًا
من المعنى الحقيقي لآيات الحج،
ذلك المعنى الذي غاب لمدّة 14 قرن
تحت ركام الموروث والتكرار.
حلقة اليوم عن كلمة نسمعها كثيرًا،
ونظنّ أننا نفهمها جيدًا،
لكنّها قد تكون من أكثر الكلمات
التي أُسيء فهمها في القرآن الكريم.
إنها كلمة:
البيت.
فما المعنى الحقيقي لكلمة بيت في القرآن؟
هل البيت دائمًا هو ذلك البناء المادي؟
هل هو دائمًا جدران وسقف وحجارة؟
أم أنّ كلمة البيت في القرآن
قد تحمل معنى أعمق بكثير؟
كلّ ما أطلبه منكم
هو التأمّل بهدوء
واستخدام العقل
ثم الحكم بأنفسكم في النهاية.
لأنّ السؤال الحقيقي ليس:
هل هذه الأفكار صادمة؟
بل:
هل
هي صحيحة
أم لا؟
لكن قبل أن نبدأ…
ادعموا هذا المحتوى
بالضغط على زرّ الإعجاب
والاشتراك في القناة
لأن هذا النوع من الطرح
لا ينتشر إلا بكم.
وفي نهاية الحلقة
سأشارك معكم آيةََ
تسبّبت في إلحاد كثيرين.
ابقوا معي إلى النهاية
لتكتشفوها
ولنرى معًا
هل المشكلة في القرآن
أم في القراءة التي ورثناها عنه؟
لنبدأ بهدوء…
ببعض الملاحظات.
يقول الله تعالى
في سورة الأحزاب::
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ
إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
..............
(سورة : 33 - سورة الأحزاب, اية : 53)
هنا الآية تقول:
بيوت النبيّ.
والسؤال البسيط جدًا:
كم من بيتِِ كان عند النبي عليه السلام؟
ثم ننتقل إلى آية أخرى.
من سورة النور:
فِي بُيُوتٍ
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
تُرْفَعَ
...........
(سورة : 24 - سورة النور, اية : 36 - 37)
بُيُوتٍ تُرْفَعَ
هل يعقل أن المقصود هنا
هو رفع البيوت بمعناها المادي؟
هل الحجارة تُرفع؟
هل الجدران تُرفع؟
هل السقف يُرفع؟
طبعًا لا.
البيوت من حجر لا تُرفع بهذا المعنى.
إذن نحن أمام معنى آخر.
++++++++++++++++++++++
ولكي نفهم هذا المعنى أكثر،
سنخرج قليلًا من القرآن إلى اللغة.
نقول مثلًا:
بيت شعري.
فهل البيت الشعري له جُدران؟
وهل له سقف؟
هل فيه غرف ومطبخ وباب؟
طبعًا لا.
ومع ذلك تُسمّيه العربية:
بيتًا.
لماذا؟
لأنه بناء معنوي.
بناء من كلمات.
بناء من معنى.
بناء له نظام، ترتيب، وزن، ومقام.
ولهذا قال الشاعر:
العلم يبني بيوتا لا عماد لها - والجهل يهدم بيوت العزّ والكرم
فهل العلم يبني بيوتًا من حجارة؟
وهل الجهل يهدم بيوتًا لها أبواب وغرف وسقوف؟
قطعا لا.
العلم يبني الإنسان.
يبني المقام.
يبني العز.
يبني الكرامة.
يبني المجتمعات.
إذن كلمة “بيت” في العربية
ليست دائمًا حجرًا وسقفًا وجدارًا.
قد تكون بيتًا ماديًا.
وقد تكون أيضا بيتًا معنويًا.
++++++++++++++++++++++
والآن نعود إلى القرآن.
يقول الله تعالى:
1- وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
ثم يقول:
2- وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
هنا يظهر سؤال مزعج جدًا.
إذا كان البيت الحرام آمنًا،
فأين هو هذا الأمن؟
كيف يكون آمنًا،
بينما نسمع كل سنة تقريبًا
عن وفيات،
وتدافع،
واختناق،
وموجات حرارة،
وحوادث مختلفة؟
إذن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
أين هو الأمن في ذلك البيت الحجري؟
الواقع يكذّب هذا الفهم.
لكن السؤال الكبير:
هل هذه فعلًا
هي رسالة القرآن؟
هل جاء القرآن ليعلّق مصير الإنسان
بحركات جسدية حول بناء؟
أم أنّه جاء ليبني في الإنسان بيتًا آخر:
بيت الإيمان،
بيت الأمن،
بيت الهداية،
بيت المعنى،
بيت المسؤولية؟
هل نحن أمام عبادة قرآنية عميقة؟
أم أمام طقوس موروثة
لم نجرؤ يومًا على إعادة التفكير فيها؟
والآن انتبهوا إلى آية خطيرة جدً
ا في سورة البقرة.
يقول الله تعالى
في سورة البقرة:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
البقرة، الآية 127.
انتبهوا جيدًا للتعبير القرآني.
الآية لم تقل:
يرفع إبراهيم قواعد البيت.
بل قالت:
يرفع إبراهيم القواعد من البيت.
وهناك فرق كبير بينهما.
عندما أقول:
أخذت القواعد من اللغة العربية،
فهذا يعني أن اللغة موجودة،
وأنا أستخرج منها قواعد النحو، والصرف، والبيان.
إذن عندما يقول القرآن:
يرفع إبراهيم القواعد من البيت
فهذا يعني أن البيت موجود
و النبي ابراهيم عليه السلام يرفع منه القواعد،
دون أن ننسى أن القواعد
لا يمكن رفعها أصلا
فهل نحن أمام بناء حجري ؟
أم أمام ابيت مادّي؟
وهنا يصبح السؤال أخطر:
هل البيت الذي رفع إبراهيم منه
القواعد
هو مجرد بناء مادي؟
أم أن البيت في القرآن
هو مشروع إلهي للناس؟
إنها في الحقيقة قواعد هداية.
قواعد أمن.
قواعد اجتماع إنساني.
قواعد رسالة.
ثم تأمّلوا معي هذه الآية بدقّة:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكًا
وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ
(آل عمران - 96)
هنا تظهر ثلاث ملاحظات مثيرة جدًّا
للتأمّل:
الآية تقول:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ.
سؤال بسيط يطرح نفسه:
إذا كان هناك أوّل بيت
فأين البيت الثاني والثالث؟
ولماذا استُعمل تعبير
أوّل
أصلًا؟
ثم
تأمّلوا هذا التعبير جيّدًا
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ
سؤال ثان
هل رأى الناس فعلًا
آيات بيّنات
في البناء الحجري نفسه؟
وأين نجد عادةً
الآيات البيّنات الواضحة؟
أترك لكم الجواب
و من صفات البيت
حسب الآية:
أنه هُدًى لِلْعَالَمِينَ
سؤال ثالث
هل البيت الحجري فعلا
هو الهدى للعالمين؟
و أين نجد الهدى؟
الهداية لا تخرج من الحجارة.
والأمن لا تضمنه الجدران.
والبركة لا تُختزَل في الدوران حول بناء.
الهداية تخرج من المعنى.
والأمن يولد من العدل.
والبركة تظهر
حين يتحول الدين إلى إصلاح للإنسان
لا إلى طقس
يشتري به الإنسان راحة ضميره.
لقد طرحنا أسئلة صعبة،
وقد تكون مزعجة للبعض،
لكنها ضرورية:
فما معنى البيت؟
وما معنى بيت الله؟
و كيف يكون البيت آمنًا؟
و كيف تُرفع البيوت؟
وما معنى أن يرفع إبراهيم القواعد من البيت؟
فالخطر الحقيقي
ليس أن نخطئ في فهم كلمة.
الخطر الحقيقي
هو أن نبني حول هذا الفهم الخاطئ
دينًا كاملًا،
وطقوسًا كاملة،
وتصورًا كاملًا
عن الغفران والنجاة والقرب من الله.
ومن هنا
سنحاول في هذه الحلقة
أن نعيد قراءة كلمة “البيت” في القرآن.
ليس كما ورثناها فقط،
بل كما يفتحها النص القرآني نفسُه.
+++++++++++++++++++++
كلّ من وصل إلى هذه المرحلة من الحلقة،
فهو على الأرجح إنسان مهتمّ بالتنوير،
وبالبحث الصادق عن المعلومة.
وأظنّ أنّه مستعدّ للخروج قليلًا
من منطقة الراحة.
كتابي الجديد:
الوجود… ما السرّ؟
الله… ما الدليل؟
قد يزعزع هذه الراحة،
نعم…
لكنه لا يترك القارئ في الفراغ.
بل يفتح له طريقًا نحو راحة أعمق:
راحة الجواب عن التساؤلات الوجودية الكبرى،
لكن بشكل منطقي، هادئ، ومترابط.
إنها راحة مبنية على الفهم،
لا تلك الراحة الوهمية
المبنية على الثقة العمياء
في أشخاص لم يكونوا دائمًا أهلًا لها.
الكتاب متوفر في المغرب
وسيكون متوفرًا قريبًا
على موقعي: ترتيل القرآن.
وأتمنى أن يكون ذلك
خلال الأسبوع المقبل إن شاء الله.
+++++++++++++++++++++++++++
لنُلْقِ الآن إطلالة سريعة على المعجم.
ماذا يقول لنا بخصوص الفعل:
بَيَّتَ؟
يقال:
بيَّت الرأيَ
أي أطال الفكر فيه،
وأحكمه،
ورتّبه في نفسه قبل إظهاره.
بمعنى آخر:
لم يكن الأمر مجرد كلام عابر،
بل كان إعدادًا وتدبيرًا وتكوينًا لفكرة.
ومن هنا يمكن أن نقترب من معنى:
بيّت
أي كوّن،
وأعدّ،
وأحكم،
وصاغ شيئًا في الخفاء.
بيّت - constituer - to constitute
والآن،
لنمرّ إلى الترتيل القرآني
لهذا الفعل المهم.
هل أنتم مستعدّون
لتذوّق حلاوة التدبّر،
واكتشاف كنوز القرآن؟
لنبدأ على بركة الله
بسورة النساء:
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ
فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ
بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
(سورة : 4 - سورة النساء, اية : 81)
لاحظوا معي الدقّة.
هؤلاء يقولون أمام الرسول عليه السلام:
طاعة.
لكن عندما يخرجون من عنده،
لا يلتزمون بما سمعوه.
الآية تقول:
بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ.
أي أنهم أخذوا شيئًا
غير الذي قاله الرسول،
وفكّروا فيه،
وأحكموه،
ورتّبوه،
ثم جعلوه بديلًا لما سمعوه.
أقاموا لأنفسهم “بيتًا” آخر
غير البيت الذي جاء به الوحي.
ولهذا قال الله:
وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ.
ولكي يتّضح المعنى أكثر،
نجد الفعل نفسه ف
ي آية أخرى من سورة النساء.
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
(سورة : 4 - سورة النساء, اية : 108)
لاحظوا التعبير:
يبيّتون ما لا يرضى من القول.
هل يبيّتون بيتًا من حجر،
أم
قولا يُدبَّر،
مصاغا في الخفاء؟؟؟
تذكّروا العبارة القرآنية:
يستخفون من الناس
ولا يستخفون من الله.
ثم نجد الفعل نفسه
في سورة النمل.
يقول الله تعالى:
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ
مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
(سورة : 27 - سورة النمل, اية : 49)
هنا نلاحظ خطة خطيرة:
إنها عملية تدبير وهجوم
مُحضّر مسبقًا.
إذن من خلال هذه الآيات
ننستنتج أن معنى فعل بيّت
في القرآن
يدور حول:
التدبير
الإعداد
وصياغة شيء في الخفاء.
ومن هنا يحق لنا الستنتاج:
إذا كان فعل بيّت لا يعني بناء الحجارة
فإنّ كلمة البيت في القرآن
أوسع من مجرد بناء مادي؟
++++++++++++++++++++++
و الآية التالية من سورة النساء
تتجه نحو نفس المعنى
لاحظوا معي هذه الآية الكريمة:
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ
مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
(سورة : 4 - سورة النساء, اية : 100)
لاحظوا التعبير القرآني بدقّة.
الآية بدأت بالهجرة:
ومن يهاجر في سبيل الله.
ثم قالت بعد ذلك:
ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله.
فلو كان المقصود بالبيت هنا
مجرد السكن المادي
لظهر وكأن المعنى تكرار بسيط:
هاجر
ثم
خرج من بيته مهاجرًا.
لكن القرآن أدقّ من ذلك.
لذلك يمكن أن نفهم الخروج من البيت
بمعنى أعمق من مغادرة الجدران.
إنه خروج من البيت الذي يأوي إليه الإنسان نفسيًا وفكريًا:
بيت العادة
بيت الجماعة
بيت الموروث
بيت الخوف
بيت الانتماء القديم.
فالهجرة إلى الله ورسوله
ليست انتقالًا بالجسد فقط
بل انتقال بالوعي أيضًا.
قد يخرج الإنسان من داره
ولا يخرج من بيته الحقيقي.
لأن بيته الحقيقي أحيانًا
ليس المكان الذي يسكنه
بل الفكرة التي تسكنه
المنظومة التي يعيش بداخلها.
ومن هنا يصبح معنى الآية أعمق:
من يخرج من بيته
أي من منظومته القديمة
ومن مأواه النفسي والفكري
متجهًا إلى الله ورسوله
ثم يدركه الموت قبل أن يصل
فقد وقع أجره على الله.
لأن العبرة ليست فقط بالوصول
بل بصدق الخروج.
+++++++++++++
لقد وصلنا
للآية التي ألحد بسبب عدم تدبرها
الكثيرون
فهل أنتم مستعدون للصدمة؟؟
لاحظوا معي قول الله تعالى
في سورة النور:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ
بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ
أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ
أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا
فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا
فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
(سورة : 24 - سورة النور, اية : 61)
هنا يبرز سؤال مهم:
إذا كان معنى البيوت هنا
هو المساكن
فلماذا يقول القرآن:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَنْ تَأْكُلُوا
مِنْ بُيُوتِكُمْ
فإذا كان الأكل يعني هنا مجرد تناول الطعام
وكانت البيوت تعني فقط المساكن
فهل يعقل أن يخبرنا الله
أنه لا حرج علينا
أن نأكل من طعامنا
داخل المنزل الذي نسكن فيه؟
لَا حرج عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَنْ تَأْكُلُوا
مِنْ بُيُوتِكُمْ
و هل يحتاج الإنسان إلى رخصة قرآنية
ليأكل من طعامه داخل منزله؟
لكن عندما نفهم أن الأكل في القرآن
يعني الاستهلاك والانتفاع بصفة عامة
مثل قوله تعالى:
ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
ولا تأكلوا أموال اليتامى
يتضح المعنى أكثر.
فالآية لا تتحدث فقط عن لقمة طعام
بل عن الانتفاع داخل دوائر القرب والثقة.
أي لا حرج عليكم
أن تنتفعوا من منظومة بيوتكم
أو بيوت آبائكم
أو أمهاتكم
أو إخوانكم
أو أقاربكم
أو ما ملكتم مفاتحه
أو عند صديقكم
ما دام ذلك داخل المعروف
وداخل الأمانة
وداخل علاقة لا تقوم على الاعتداء.
إذن البيت هنا
ليس مجرد جدران وسقف.
بل هو دائرة انتماء
ومجال ثقة
ومنظومة علاقة
يجوز فيها الانتفاع
من غير حرج.
ثم لاحظوا معي
العبارة التالية
فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا
فسلّموا على أنفسكم؟
المفروض أن تقول الآية:
فسلّموا على أهلها.
لكن القرآن قال:
سلّموا على أنفسكم إذا دخلتم بيوتا.
وهنا يفتح النص بابًا لمعنى أعمق.
فالبيت هنا لا يمكن و لا يعقل
أن يكون مجرد مسكن مادي
بل هو
منظومة قرب وانتماء و ثقة
يدخل فيه الآباء، والأمهات، والإخوة
والأخوات، والأقارب، والصديق.
كأن الآية تقول:
إذا دخلتم هذه البيوت
أي هذه المنظومات القريبة منكم
فلا تدخلوها بروح الغريب
ولا بروح المتطفل
بل ادخلوها بروح السلام.
فسلّموا على أنفسكم.
لقد خصصت حلقة لمعنى
فعل سلّم و الإسلام
الذي هو السلام في سبيل الله
مع النفس و مع الأخرين
و ليس التسليم لله
لأنّ الله غنيّ عنا
ستجدون رابط الحلقة في صندوق الوصف
واللافت جدًا أن الآية تختم بقول الله تعالى:
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
أي أن الله لا يعطينا ألفاظًا لنكررها فقط
بل يبيّن لنا الآيات
حتى نعقلها.
وكأن الخاتمة تقول لنا:
لا تمرّوا على الكلمات مرورًا سريعًا.
لا تظنّوا أن المعنى الأول
هو دائمًا المعنى الكامل.
ولا تحبِسوا القرآن داخل العادة والموروث.
بل تدبّروا.
قارنوا.
اربطوا بين الألفاظ.
واسألوا:
لماذا قال هنا بيوتكم؟
ولماذا قال تأكلوا؟
ولماذا ختم بـ لعلكم تعقلون؟
القرآن لا يخشى العقل.
بل يدعونا إليه.
++++++++++++++++++++++
صراحةً،
أنا أتفهّم بعض من ألحدوا.
ليس لأن القرآن يدعو إلى الإلحاد،
ولا لأن الإيمان ضعيف أمام العقل،
بل لأن كثيرين بنوا فهمهم للدين
على ما وجدوا عليه آباءهم.
لم يحاولوا الخروج من صندوق الموروث.
لم يفرّقوا بين القرآن
وبين ما قيل لهم عن القرآن.
ولم يستطيعوا التخلّص من تلك الأغلال
التي زُرعت في عقولنا لمدّة قرون
باسم الدين،
وباسم القداسة،
وباسم الطاعة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
حين يظن الإنسان أنه يرفض القرآن،
بينما هو في الحقيقة
يرفض صورة مشوّهة عن القرآن.
++++++++++++++++++++++
ثم نصل إلى آية أخرى لافتة جدًا
من سورة النور.
يقول الله تعالى:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)
(سورة : 24 - سورة النور, اية : 27 - 29)
وهنا يبرز سؤال منطقي:
إذا كان معنى البيوت هنا
هو المساكن الخاصة فقط
فهل يحق لنا أن ندخل بيوتًا سكنية
غير مسكونة - غير مأهولة؟
هل يشجعنا الله على اقتحام أملاك الناس
لمجرد أنها فارغة من السكان؟
طبعًا لا.
فالقرآن لا يمكن أن يأمر بالاعتداء
ولا أن يفتح الباب
أمام التَّرامي على ملك الغير.
إذن عبارة:
بيوتًا غير مسكونة فيها متاع لكم
تدفعنا إلى معنى أوسع.
فالمقصود هنا
هو المنظومات مفتوحة الانتفاع
وفيها مصلحة مشروعة للناس.
ولتقريب المعنى فقط
تخيّلوا معي مثالًا معاصرًا:
البرامج مفتوحة المصدر.
les logiciels Open source
هي ليست مسكونة
بمعنى الملكية الخاصة المغلقة.
ليست بيتًا خاصًا بشخص واحد
ولا مجالًا ممنوعًا
لا يحق لأحد الاقتراب منه.
لكن فيها متاع لكم:
فيها منفعة
فيها كود
فيها أدوات
فيها إمكانات يمكن للناس أن ينتفعوا بها
ما دام الدخول إليها يتم وفق شروطها
وبلا اعتداء ولا سرقة ولا تحريف للأمانة.
هذا المثال لا أقدّمه كتفسير للآية
بل فقط لتقريب الفكرة:
منظومات مفتوحة الانتفاع
غير مسكونة بالمعنى الشخصي المغلق
وفيها متاع مشروع للناس.
فالآية إذن
لا تتحدث عن اقتحام مسكن فارغ
بل عن دخول فضاء و منظومة
ليست مخصصة للسكن الخاص
وفيها متاع لكم
أي منفعة أو مصلحة مشروعة.
وهنا يتأكد لنا مرة أخرى
أن كلمة بيت في القرآن
لا يمكن حبسها دائمًا
في معنى الجدران والسقف.
فالبيت قد يكون مسكنًا
وقد يكون دائرة انتفاع.
شخصيًا
أجدني مقتنعًا
بتعريف الباحث محمد بشارة
لكلمة البيت.
فالبيت
بحسب هذا الفهم
هو منظومة.
قد تكون منظومة مادية
كالمنظومة الهندسية التي يقوم عليها البناء.
وقد تكون منظومة معنوية
كالمنظومة الفكرية التي يقوم عليها الوعي.
وبهذا المعنى
لا يعود البيت مجرد جدران وسقف
بل يصبح بنيةً متكاملة:
بنية مادّية أحيانًا
وبنية فكرية ومعنوية أحيانًا أخرى.
وهنا نصل إلى نهاية هذه الرحلة المزعزعة.
كونوا من أولي الألباب
الذين يستمعون إلى القول
فيتّبعون أحسنه.
ابحثوا.
فكّروا.
قارنوا.
واحتكموا إلى عقولكم.
لا تتبعوني
ولا تتبعوا أي شخص
مهما كان اسمه أو مقامه.
ثقوا بأنفسكم
وبقدرتكم على الفهم
وبحقكم في السؤال.
في الحلقة القادمة
سنتطرّق إن شاء الله
إلى كلمة جديدة ومهمة جدًا:
الطواف.
لأنها ستساعدنا كثيرًا
على تدبّر آيات الحج
من زاوية مختلفة.
وإلى ذلك الحين
دمتم متنورين
متفائلين
وسعداء.
كان معكم
فيصل بنفضيل.
السلام عليكم